ومن أسرار القرآن ولطائفه أنه سبحانه حث على التقوى في هذه السورة ثلاث مرات: بقوله {ومن يتق الله} وذلك على عدد الطلقات الثلاث ، ووعد في كل مرة نوعاً من الجزاء: الأول أنه يخرجه مما دخل فيه وهو كاره ويتيح له خيراً ممن طلقها. الثاني اليسر في الأمور والموالاة في المقاصد ما دام حياً. الثالث أفضل الجزاء وهو ما يكون في الآخرة من النعماء. ثم حث في التوكل بثلاث جمل متقاربة الخطى: الأولى {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} لأن المعبود الحقيقي القادر على كل شيء الغنيّ عن كل شيء الجواد بكل شيء إذا فوض عبده الضعيف أمره إليه لا يهمله البتة. الثاني {إن الله بالغ أمره} أي يبلغ كل أمر يريده ولا يفوته المطلوب. الثالثة {قد جعل الله لكل شيء قدراً} أي وقتاً ومقداراً. وهاتان الجملتان كل منهما بيان لوجوب التوكل عليه لأنه إذا علم كونه قادراً على كل شيء وعلم أنه قد بيّن وعيّن لكل شيء حداً ومقدراً لم يبقَ إلا التسليم والتفويض. قال جار الله: قال المفسرون: إن ناساً قالوا: قد عرفنا عدة ذوات الأقراء فما عدة اللواتي لم يحضن فنزلت {واللائي يئسن} فمعنى إن ارتبتم إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن فهذا حكمهن. قلت: في حصة هذه الرواية نظر فإن السورة ليس فيها بيان عدة ذوات الأقراء وإحالتها على ما في"البقرة"، والمطلقات يتربصن لا يجوز لأن هذه مكية وتلك مدنية. نعم لو ثبت أن هذه متأخرة النزول كان له وجه كما روي عن عبد الله بن مسعود: من شاء باهلته إن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في البقرة. والجمهور أن المراد أن ارتبتم في دم البالغات مبلغ اليأس أهو دم حيض أو استحاضت {فعدّتهن ثلاثة أشهر} وإذا كانت هذه عدة المرتاب بها فغير المرتاب أولى. وسن اليأس مقدر بخمس وخمسين وبستين. والمشهور عند أكثر أصحاب الشافعي النظر إلى نساء عشيرتها من الأبوين ، فإذا بلغت السن التي ينقطع فيها حيضهن فقد بلغت سن اليأس.