قال شيخ الإسلام:(وجماع الأمر أن الاسم الواحد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا ثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام وهذا في كلام العرب وسائر الأمم، لأن المعنى مفهوم.
مثال ذلك المنافقون قد يجعلون من المؤمنين في موضع وفي موضع آخر يقال"ماهم منهم". قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَاتُونَ الْبَاسَ إِلَّا قَلِيلًا} فهناك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو الناكلين عن الجهاد الناهين لغيرهم الذامين للمؤمنين منهم، وقال في آية أخرى {وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [1] . وهؤلاء ذنبهم أخف فإنهم لم يؤذوا المؤمنين لا بنهب ولا سلق بألسنة حداد ولكن حلفوا بالله أنهم من المؤمنين في الباطن بقلوبهم، وإلا فقد علم المؤمنون أنهم منهم في الظاهر فكذبهم الله وقال {وَمَا هُم مِّنكُمْ} وهناك قال {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} . فالخطاب لمن كان في الظاهر مسلما مؤمنا وليس مؤمنا، لأن منكم من هو بهذه الصفة وليس مؤمنا، بل أحبط الله عمله فهو منكم في الظاهر لا الباطن) [2] .
-الكفر المعذب عليه والكفر الذي لا يعذب عليه إلا بعد قيام الحجة
قال ابن تيمية(فإن حال الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أو لا، فإن لم يتصور فهو في غفلة عنها وعدم إيمان كما قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [3] وقال: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [4] .
لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة ... فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر، وليس كل كافر مكذبا، بل قد يكون مرتابا إن كان ناظرا فيه، أو معرضا عنه بعد أن لم يكن ناظرا فيه، وقد يكون غافلا عنه لم يتصوره بحال، لكن عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه) [5] . وقال (والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد، مع أنه لا بد من إرسال
(1) - التوبة الآية 56.
(2) - الفتاوي 7/ 418.
(3) - الكهف الآية 28.
(4) - الأعراف الآية 136.
(5) - الفتاوي 2/ 78 - 79.