فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 142

قال ابن جرير رحمه الله: (فأما الذي لا يجوز الجهل به من دين الله لمن كان في قلبه من أهل التكليف لوجود الأدلة متفقة في الدلالة عليه غير مختلفة ظاهرة للحس غير خفية. فتوحيد الله تعالى ذكره والعلم بأسمائه وصفاته وعدله. وذلك أن كل من بلغ حد التكليف من أهل الصحة والسلامة فلن يعدم دليلا دالا وبرهانا واضحا يدله على وحدانية ربه جل ثناؤه ويوضح له حقيقة صحة ذلك، ولذلك لم يعذر الله جل ذكره أحدا كان بالصفة التي وصفت بالجهل وبأسمائه، وألحقه إن مات على الجهل به بمنازل أهل العناد فيه تعالى ذكره، والخلاف عليه بعدم العلم به وبربوبيته في أحكام الدنيا وعذاب الآخرة فقال جل ثناؤه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [1] [2] .

قال محقق"التبصير"علي بن عبد العزيز بن علي الشبل -أحد المحققين الكبار- في تعليقه على كلام ابن جرير هذا: (ومثل هذا ما قاله - رحمه الله - في تفسيره لآيات الكهف(15/ 28) فقال: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال إن الله عز وجل عنى بقوله: {هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا} كل عامل عملا يحسبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرضٍ، وهو بفعله ذلك لله مسخط وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهبان والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة من أهل أي دين كانوا) ا. هـ

قال المحقق (وإن زعم هؤلاء- وبعضهم ذو اجتهاد وعبادة على طريقته- أنهم يتعبدون لله ويتقربون إليه، ومع هذا كله كفرهم الله وسماهم بأسماء الكفرة وجعل لهم أحكامهم في الآخرة، ولازمه أنه لم يعذرهم على جهلهم وظنهم(حسبانهم) أنهم على حَسَنٍ من العمل صالح كما في سورة فاطر حيث يقول سبحانه: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} ، قالها سبحانه في هؤلاء وأمثالهم، فجهلهم غير مقبول لوجوب طلب الهدى عليهم وتقرره في حقهم وهذه المسألة مهم فهمها"."

ثم ساق رد ابن جرير رحمه الله على من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانية الله. قال المحقق (وهذا مثل كفرة أهل الكتاب من

(1) - الكهف الآية 103 - 105.

(2) - التبصير في معالم الدين ص 116/ 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت