عليه التصديق به واتباعه وطلب الدين اللازم له والخروج عن وطنه لذلك، وإلا فقد استحق الكفر والخلود في النار، والعذاب بنص القرآن وكل ما ذكرنا يبطل قول من قال من الخوارج إن في حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم يلزم من في أقاصي الأرض الإيمان به ومعرفة شرائعه، فإن ماتوا في تلك الحال ما توا كفارا إلى النار. ويبطل هذا قول الله عز وجل: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ} [1] وليس في وسع أحد علم الغيب.
فإن قالوا فهذه حجة الطائفة القائلة إنه لا يلزم أحدا شيئ من الشرائع حتى تبلغه، قلنا: لا حجة لهم فيها، لأن كل ما كُلف الناس فهو في وسعهم ... إلا أنهم معذورون بمغيب ذلك عنهم ولم يكلفوا ذلك تكليفا يعذبون به إن لم يفعلوه وإنما كلفوه تكليف من لا يعذبون حتى يبلغهم، ومن بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن له أمرا من الحكم مجملا ولم يبلغه نصه، ففرض عليه إجهاد نفسه في طلب ذلك الأمر، وإلا فهو عاص لله عز وجل قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [2] [3] .
وإذا كان العلماء لم يعذروا القادر على التعلم فكيف بمن بلغه الحق وأبى إلا الباطل بسبب تقصيره في طلب الحق وإعراضه عما جاءه.
وأحسن عبد القادر عوده حين قال: (من المبادئ الأولية في الشريعة الإسلامية أن الجاني لا يؤاخذ على الفعل المحرم إلا إذا كان عالما علما تاما بتحريمه فإذا جهل التحريم ارتفعت عنه المسؤولية ويكفي في العلم بالتحريم إمكانه فمتى بلغ الإنسان عاقلا وكان ميسرا له أن يعلم ما حرم عليه إما برجوعه للنصوص الموجبة للتحريم وإما بسؤال أهل الذكر اعتبر عالما بالأفعال المحرمة، ولم يكن له أن يعذر بالجهل أو يحتج بعدم العلم، ولهذا يقول الفقهاء"لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام".
ويعتبر المكلف عالما بالأحكام بإمكان العلم لا بتحقق العلم فعلا لأن ذلك يؤدي إلى الحرج ويفتح باب الإدعاء بالجهل على مصراعيه ويعطل تنفيذ النصوص وهذه هي القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية ولا استثناء لها وإذا كان الفقهاء يرون قبول الاحتجاج بجهل الأحكام ممن عاش في بادية لا يختلط بمسلمين، أو ممن أسلم حديثا ولم يكن مقيما بين المسلمين فإن هذا ليس استثناء في الواقع، وإنما هو تطبيق للقاعدة الأصلية التي تمنع من
(1) - البقرة الآية 286.
(2) - النحل الآية 43.
(3) - الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/ 106.