فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 142

مؤاخذة من يجهل التحريم حتى يصبح العلم ميسرا. فمثل هؤلاء لم يكن العلم ميسرا لهم، ولا يعتبرون عالمين بأحكام الشريعة، أما إذا كان مدعي الجهل ناشئا بين المسلمين أو أهل العلم فلا يقبل منه الإدعاء بالجهل) [1] .

وكلامه هذا عن أحكام الشريعة لا التوحيد إذ لا يمكنه القول إنهم"لا يعتبرون عالمين بالتوحيد"كما قال في"أحكام الشريعة"إذ أن معرفة التوحيد شرط في تحقيق الإيمان فهو أصل الأصول، الذي يدخل صاحبه دائرة الإيمان وإن غابت عنه الشرائع، فجهل الفرائض والمحرمات وما دون أصل الأصول لا يؤاخذ صاحبه ولا يعاقب عليه ما لم يكن متمكنا من العلم به.

قال ابن قدامة الحنبلي: (ولا حد على من لم يعلم تحريم الزنا، قال: عمر وعثمان وعلي: لا حد إلا على من علمه، وبهذا قال عامة أهل العلم، فإن أدعى الزاني الجهل بالتحريم وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالإسلام والناشئ ببادية قبل منه لأنه يجوز أن يكون صادقا، وإن كان ممن لا يخفى عليه ذلك كالمسلم الناشئ بين المسلمين وأهل العلم، لم يقبل لأن تحريم الزنا لا يخفى على من هو كذلك فقد علم كذبه، وإن ادعى الجهل بفساد نكاح قبل قوله لأن عمر قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة، ولأن مثل هذا يجهل كثيرا ويخفى على غير أهل العلم) [2] .

وهكذا ترى في كلام العلماء عذر جاهل مثل هذه الأمور بالشروط المذكورة في ضابط التمكن من العلم، ولا يذكرون أنه يعذر بالجهل من نقض أصل الدين أو جهل ما لا يصح الإيمان إلا مع العلم به لاستحالة ذلك، ولو كان ذلك بالإمكان لذكروه في هذا المكان.

جاهل ما دون التوحيد لا يكفر حتى يعرف

قال أبو محمد بن حزم (ومن لم تبلغه واجبات الدين فإنه معذور ولا ملامة عليه وقد كان جعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم بأرض الحبشة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة والقرآن ينزل والشرائع تشرع فلا يبلغ إلى جعفر وأصحابه أصلا، لانقطاع الطريق جملة من المدينة إلى

(1) - التشريع الجنائي الإسلامي 1/ 430، 431.

(2) - المغني مع الشرح الكبير 10/ 156.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت