حكم الحربي الذي بلغته الدعوة، فإنه يقاتل من قبل أن يدعى، قالوا: وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرة، فأما من خرج عن بصيرة فلا) [1] .
وقد ساق البخاري رحمه الله حديث الذين قالوا إن عليا ربهم في"باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم"وكذلك الشوكاني قال في"نيل الأوطار" (واستُدل بالحديث المذكور في الباب على أنه يقتل الزنديق من غير استتابة، وتعقب بأنه وقع في بعض طرق الحديث أن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه استتابهم كما في الفتح من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال قيل لعلي: إن هنا قوما على باب المسجد يزعمون أنك ربهم فدعاهم، فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ فقالوا أنت ربنا وخالقنا ورازقنا قال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم آكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون .. قال الحافظ: إسناده صحيح) [2] .
فهؤلاء ارتدوا لما اعتقدوه في علي رضي الله عنه، وما أوقعهم في ذلك إلا الجهل، فاستتيبوا وليس ذلك إقامة للحجة التي يكفر تاركها، وإنما هي استتابة تدخل فيها إقامة الحجة في مثل هذا لأن اسم الشرك يجري عليهم بمجرد اغترافهم لما وقعوا فيه من الشرك.
ثم اعلم أن المناضلين عن المشركين حيثما وجدوا استتابة قالوا إنها إقامة للحجة ليعذروا صاحبها وهكذا في أحاديث المنتقصين من النبي صلى الله عليه وسلم يقولون عذرهم بجهلهم وهذه غفلة شديدة وخلاف ما قرره أهل العلم، ومثل هذا لا يعذر صاحبه وإن لم يقصده صاحبه كما حقق ذلك شيخ الإسلام في"الصارم المسلول"، وإنما عفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وله صلى الله عليه وسلم أن يعفو ويترك حقه وليس لنا إلا أن نستوفي حقه كاملا كما قرر ذلك وأحسن ابن القيم في أحكام أهل الذمة.
تنبيه
وهنا أذكرك أيها القارئ الكريم بمسألة مهمة وهي أن ترك الفرائض ليس كفرا لذاته إلا إذا كان مع العلم بها. وهكذا استحلال المحرمات وإنكار بعض الصفات فإن هذا مما يصح التوحيد مع الجهل به، ولكن بعد العلم به وإقامة الحجة عليه فإن مستحل الحرام كافر كتارك الفرائض ...
(1) - فتح الباري 12/ 281.
(2) - نيل الأوطار 9/ 57.