ص 34 - 35
ولما غربت شمس يوم عرفة، وذهبت صفرتها، أردف - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد - رضي الله عنه - خلفه، ثم أفاض بالسكينة وهو يلبي، وضم إليه زمام ناقته القصواء حتى إن رأسها ليصيب طرف رجله، وهو يقول: (( أيها الناس عليكم السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع ) )رواه البخاري، أي: ليس بالإسراع، وأفاض من طريق المأزمين.
فلما أتى - صلى الله عليه وسلم - الشعب الأيسر قريبًا من المزدلفة نزل فيه فبال، ثم توضأ وضوءًا خفيفًا، ثم ركب فقال له أسامة: الصلاة يارسول الله، فقال: الصلاة أمامك، ثم سار حتى أتى المزدلفة.
النزول في مزدلفة:
ولما وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - مزدلفة توضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى العشاء ولم يصل بينهما، ثم نام - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح، ولم يحيي تلك الليلة، وصلى الفجر بالناس في أول وقتها، ثم ركب راحلته وأتى المشعر الحرام وقال: (( كل المزدلفة موقفنا إلا بطن محسر ) )، واستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء والتضرع والتهليل، والتكبير، والذكر، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا، وذلك قبل طلوع الشمس.
وجاءه عروة بن مضرس الطائي - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله جئتك من حبلي طي، أتعبت نفسي، وأنصبت راحلتي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: (( من شهد معنا هذه الصلاة -يعني صلاة الفجر- بجمعٍ، ووقف معنا حتى نفيض منه، وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه، وقضى تفثه ) )رواه أحمد في المسند.