احتارت قريش في أمرها، وعظم عليها فشلها، وتشاورت فيما بينها بعد أن رأت صمود النبي - صلى الله عليه وسلم - وثباته في دعوته، فقال لهم النضر بن الحارث ناصحًا: يا معشر قريش، والله لقد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونَفْثَهم وعَقْدَهم، وقلتم: كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتَخَالُجَهم وسمعنا سَجَعَهُم، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هَزجَه ورَجزَه، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون، فما هو بخنقه، ولا وسوسته، ولا تخليطه، يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم [1] .
فقررت قريش أن تستشير اليهود في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبعثت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، فقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته فإنهم أهل الكتاب، وعنده ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة، فسألاهم عنه؟ ووصفا لهم أمره، فقالت لهما أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فهو رجل منقول، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها. فما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فأقبلا، حتى قدما مكة، فقالوا: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أخبرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فجاءوا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فسألوه عما أخبرهم أحبار يهود، فجاءه جبريل بسورة الكهف فيها خبر ما سألوه عنه من الفتية والرجل الطواف [2] ، وجاءه بقوله:
(1) دلائل النبوة للبيهقي 2/ 201.
(2) سيرة ابن اسحاق 4/ 181؛ سيرة ابن هشام 1/ 299؛ عيون الأثر 2/ 427؛ المواهب اللدنية للقسطلاني 1/ 231.