فخرج المهاجرون متسللين سرًا حتى أتوا الشعيبة [1] ، منهم الراكب ومنهم الماشي، وقيض الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينة حملتهم بنصف دينار، ثم أبحرت بهم إلى الحبشة، وفطنت لهم قريش، فخرجت في آثارهم، حتى وصلوا البحر، ولكن المسلمين كانوا قد أبحروا متوجهين إلى الحبشة، فلم يدركوا منهم أحدًا.
ولم تكن الحبشة غريبة عن أهل مكة، فقد كانوا يتاجرون معها، وكان لأهل مكة في نفوس الحبشة مكانة خاصة، لما يتميزون به من الحماية الإلهية، فحادثة الفيل وهزيمة جيش أبرهة مازالت في أذهانهم راسخة، تظهر لهم العناية الإلهية بمكة وبيته العتيق.
ولما وصل المسلمون إلى أرض الحبشة أكرم النجاشي مثواهم، وأحسن لقاءهم، ووجدوا عنده من الطمأنينة والأمان ما لم يجدوه في أوطانهم وبين أهليهم، فأقاموا فيها ثلاثة أشهر في أحسن جوار [2] .
(1) الشعيبة: مرفأ السفن من ساحل بحر الحجاز، وكان مرفأ مكة ومرسى سفنها قبل جدة. معجم البلدان 3/ 351.
(2) سبل الهدى والرشاد 2/ 394؛ عيون الأثر لابن عبد البر 1/ 156.
(3) قصة الغرانيق مختلف في صحتها بين أهل العلم، وما ذكرته هو الراجح عند أهل التحقيق؛ لأن إثباتها يناقض عصمة النبوة في قضية الوحي، ويعارض التوحيد الذي هو أصل العقيدة الإسلامية، فكانت مرفوضة متنًا، وإن تعددت طرقها سندًا، قال ابن كثير في تفسيره:"قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم"اهـ. وقال أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن (3/ 307) :"ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها"اهـ. وبين القاضي عياض في كتابه الشفا (2/ 125) مآخذه على القصة فقال:"أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع اسناده، واختلاف كلماته، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب .... هذا توهينه من طريق النقل، فأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة، وأجمعت الأمة على عصمته - صلى الله عليه وسلم - ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر، أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام، وذلك كله ممتنع في حقه - صلى الله عليه وسلم -"اهـ.