فتعاهدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأينا محمدًا قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، قال: فأقبلت فاطمة تبكي حتى دخلت على أبيها، فقالت: هؤلاء الملأ من قومك في الحجر قد تعاهدوا أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك، قال: يا بنية أدني وضوءًا فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: هو هذا، فخفضوا أبصارهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم منهم رجل، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: شاهت الوجوه، قال: فما أصابت رجلًا منهم حصاة إلا قد قتل يوم بدر كافرًا [1] .
لما رأى أبو طالب أن قريشًا اجتمعت على قتل محمد - صلى الله عليه وسلم - جمع بني عبد المطلب، وبني هاشم، وتواثقوا على حياطة محمد - صلى الله عليه وسلم - ومنعه منهم، وعلمت قريش فحارت في أمرها، وعرفت أنها لو أقدمت على قتل محمد - صلى الله عليه وسلم - لسال وادي مكة دماء، ولأفضى ذلك إلى استئصالها، فسلكت أسلوبًا جديدًا في محاربة الدعوة، والقضاء عليها، إنه أقسى وأشد أسلوب تستخدمه، ألا وهو الحصار الاقتصادي والمقاطعة العامة لبني عبد المطلب وبني هاشم.
فاجتمعت في خيف بني كنانة بالأبطح، وتحالفوا على أن لا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يخالطوهم، ولا يكلموهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتل [2] ، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل [3] ، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة [4] ، وكان الذي كتب الصحيفة منصور بن عكرمة
(1) مسند الإمام أحمد 1/ 368، حديث (3485) . وصححه أحمد شاكر في حاشيته.
(2) صحيح البخاري 2/ 576، حديث (1513) .
(3) دلائل النبوة للبيهقي 2/ 311؛ دلائل النبوة للأصبهاني 200.
(4) وقال بعضهم: بل كانت عند أم الجلاس بنت مخربة الحنظلية خالة أبي جهل. الطبقات الكبرى لابن سعد 1/ 209.