فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 114

الأسلوب الثالث عشر: الإغراءات المادية:

بعد أن أسلم حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب ـ رضي الله عنهما ـ أخذت السحائب تتقشع، وأقلق هذا الموقف الجديد مضاجع المشركين، وأفزعهم وزادهم هولًا وفزعًا تزايد عدد المسلمين، وإعلانهم إسلامهم، وعدم مبالاتهم بعداء المشركين لهم، الأمر الذي جعل قريشًا تجرب أسلوب الترغيب والإغراء بالمال والجاه، فاجتمع زعماؤها في ناديهم ليروا رأيهم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فقال لهم عتبه بن ربيعة وكان سيدًا مطاعًا في قومه: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أمورًا عله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟، فقالوا: بلى، يا أبا الوليد، قم إليه، فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السِّطَةِ [1] في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال رسول - صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع، قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًا تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل، فقال: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منه، ثم انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة منها فسجد، ثم

(1) السطة: الشرف، من الوسط، كالعدة من الوعد. مختار الصحاح 300.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت