جاء القرآن الكريم ببلاغة وفصاحة أذهلت عقول قريش، وأخرست ألسنتهم، وأيقنت قلوبهم بأنه كلام معجز يشهد على صدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومحال أن يكون من عند البشر، لكن كبرهم وحقدهم منعهم من اتباع الحق، فما استكانوا لربهم، وما استجابوا لمطلب صدق برق وميضه في عقولهم، بل غلّقوا عقولهم، وغلّفوا قلوبهم، ولجوا في طغيانهم وعنادهم واستكبارهم، وأصروا على شركهم، ورضوا بأن يكون الكفر خاتمتهم رغم إقرارهم ببلاغة القرآن الكريم، وعلو شأنه، ورفعة قدره، وجلال هيبته وعظمته، روى ابن اسحاق أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بالليل في بيته، وأخذ كل رجل منهم مجلسًا ليستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا أو طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، لو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصا، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: حدثني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وأشياء ما أعرف معناها، ولا ما يراد بها، فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت له، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي، يأتيه الوحي من السماء،