فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 114

حمزة ــ وكان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة [1] ــ فخرج يسعى، لم يقف على أحد معدًا لأبي جهل إذا لقيه أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس فضربه بها، فشجه بها شجة منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول؟ فرد علي ذلك إن استطعت، فثار رجال من بني مخزوم ــ عشيرة أبي جهل ــ إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا [2] ، ثم رجع حمزة إلى بيته، فقال: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ، وتركت دين آبائك! للموت خير لك مما صنعت، وقال: اللهم إن كان رشدًا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا، فبات بليلة لم يبت مثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد، أم هو غي شديد، فحدثني حديثًا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره ووعظه وخوفه وبشره، فألقى الله تعالى في قلبه الإيمان بما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أشهد إنك لصادق، فأظهر يا ابن أخي دينك، فو الله ما أحب أن لي ما أظلته السماء وأني على ديني الأول.

فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عز وامتنع، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه [3] .

إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

وبعد إسلام حمزة ـ رضي الله عنه ـ بثلاثة أيام [4] أعز الله دينه بإسلام عمر بن

(1) يقال: فلان شديد الشكيمة إذا كان عزيز النفس أبيا قويًا، وأصله من شكيمة اللجام وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس. مقاييس اللغة 3/ 206.

(2) سيرة ابن اسحاق 2/ 152؛ السيرة النبوية للذهبي 101؛ السيرة الحلبية 1/ 478.

(3) سيرة ابن هشام 1/ 291؛ سبل الهدى والرشاد 2/ 332.

(4) انظر: تاريخ ابن عساكر 44/ 29؛ ذخائر العقبى 174؛ سبل الهدى والرشاد 2/ 370؛ السيرة الحلبية 3/ 498.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت