هذه الحادثة دفعت النبي - صلى الله عليه وسلم - في أوائل السنة الخامسة من البعثة لاتخاذ دار الأرقم ابن أبي الأرقم على الصفا والتي كانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم مركزًا لدعوته، ومقرًا لاجتماع المسلمين سرًا، يعلمهم فيه أمر دينهم، ويبلغهم ما ينزل عليه من الوحي [1] .
لما كثر المسلمون، وظهر الإيمان، وتحدث به، ثار ناس كثير من المشركين من كفار قريش بمن آمن من قبائلهم، فعذبوهم، وسجنوهم، وأردوا فتنتهم عن دينهم، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: تفرقوا في الأرض، فقالوا: أين نذهب يا رسول الله؟ قال: هاهنا وأشار إلى الحبشة [2] .
كانت الحبشة هي الخيار الوحيد المتاح آنذاك، فقد كانت بلدًا قويًا في المنطقة، وعليها ملك عظيم، وكانت قريش تعظم ملكها كثيرًا، وكان بينهم وبينه سفارات ومراسلات وهدايا، وكان حاكمها عادلًا، وسكانها من أهل الكتاب.
كما أن بُعد الحبشة عن مكة يوفر جانبًا كبيرًا من الأمن للمهاجرين، بعيدًا عن بطش أهل الباطل في مكة وما حولها من الأماكن التي يمتد إليها نفوذهم، مما يجعلها قاعدة آمنة للعقيدة، تتحقق فيها حرية الدعوة من ناحية، وحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة من ناحية ثانية.
وفي رجب من السنة الخامسة للبعثة خرج المسلمون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الحبشة، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام [3] .
(1) السيرة النبوية للصلابي 1/ 120؛ الرحيق المختوم للمباركفوري 92.
(2) مصنف عبد الرزاق 5/ 384؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 1/ 203؛ الدرر لابن عبد البر 50.
(3) سيرة ابن هشام 1/ 321؛ السيرة النبوية لابن كثير 2/ 3.