وفي تلك الفترة خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام، فقرأ سورة النجم [1] ، وحول الكعبة عدد من المسلمين، وجمع من سادات قريش وزعمائها، وأخذ يرتل تلاوته، فقرع آذانهم سحر بيانه، وروعة تبيانه، فأصغت آذانهم، وخشعت قلوبهم، وخضعت نفوسهم، فلما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خواتيم السورة {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) } [2] أخذ صوته - صلى الله عليه وسلم - يهدر بها، ويرعد بنذرها، فلما وصل إلى قوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} سجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسجد معه المسلمون، فما كان من المستكبرين إلا أن خروا لله ساجدين من روعة الحق الذي سمعوه، إلا أمية بن خلف [3] أخذ كفًا من تراب، فسجد عليه.
فلما نكسوا على رؤوسهم، وأحسوا أن جلال الإيمان لوى زمامهم، وأنهم ارتكبوا خطأً فادحًا في سجدتهم مع المؤمنين، ولامهم وأنبهم على فعلتهم من لم يحضر من المشركين، ندموا على ما كان منهم، وعندها افتروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكذب بأنهم ما سجدوا مع محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا لأنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير، وأنه قال عنها: (( تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ) ) [4] .
(1) ثبت في صحيح البخاري 1/ 364، حديث (1020) من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة النجم، فسجد بها فما بقي أحد من القوم إلا سجد، فأخذ رجل من القوم كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا.
(2) النجم: 53 - 62.
(3) جاء التصريح باسمه في صحيح البخاري 4/ 1842، حديث (4582) ، قال ابن حجر في الفتح (8/ 615) : وهو المعتمد.
وذكر بعض أهل السير أنه الوليد بن المغيرة، وكذا عند الطبراني في المعجم الكبير (9/ 35) . قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 34) : وهو مرسل، وفيه ابن لهيعة أيضًا.
(4) سيرة ابن اسحاق 2/ 157؛ الروض الأنف للسهيلي 2/ 153؛ السيرة النبوية لابن كثير 2/ 56؛ سبل الهدى والرشاد للصالحي 2/ 364؛ الرحيق المختوم 93.