فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 114

فيه، ففزع القوم، وأجمعوا على الصدق، فلما دخلوا عليه، قال لهم النجاشي: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ قال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم - هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله.

ثم قال للمسلمين: اذهبوا، فأنتم سيوم بأرضي ــ والسيوم: الآمنون ــ من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرًا ــ الدبر: الجبل ــ من ذهب وأني آذيت رجلًا منكم، ثم قال لحاشيته: ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه، فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار [1] .

وفشلت قريش في خططتها لاستعادة المسلمين من أرض الحبشة، وأخفقت مكيدتها، ورُدَّت هداياها في وجوهها، وأيقنت أنها لن تجد إلى المسلمين سبيلًا، فقد دخلوا في رعاية النجاشي وحمايته، فزادها ذلك غيظًا وحقدًا، ولم تجد أمامها غير التشفي ممن هم تحت أيديها.

وأقام المسلمون في الحبشة على خير حال، في أمن وأمان، وطمأنينة وسلام، واشتغلوا فيها بالزراعة والتجارة والصناعة، وسلكوا في حياتهم ومعاملتهم سلوكًا حسنًا، فأحبهم الأحباش، وعاملوهم معاملة كريمة طيبة، كما أكرم النجاشي مثواهم، وأعلن حمايتهم، فأعلنوا شعائر دينهم لا يخشون تعذيبًا ولا اضطهادًا، وسعوا يدعون لدين الله تعالى، ومكثوا ما شاء الله لهم، ولما بلغهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هاجر إلى

(1) سيرة ابن اسحاق 4/ 196؛ سيرة ابن هشام 1/ 337؛ الدرر لابن عبد البر 137. وروى القصة الإمام أحمد في مسنده 1/ 201، حديث (1740) من حديث أم سلمة رض الله عنها. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 27) : رجاله رجال الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت