آية 40, وقوله -جل في علاه- {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} سورة الكهف آية 29, ونحو ذلك فلو ظهر هذا الخطاب مبتدءً عاريا عن دلالة الحال لكان مفهومه الظاهر يقتضي فعل جميع الأفعال, وهو في دلالة الحال وعيد وجزر خلاف لما يقتضيه الظاهر [1] .
ومن أقوال العلماء ما ذكره السرخسي في ذلك فقال:"والرجوع إلى دلالة الحال لمعرفة المقصود بالكلام أصل صحيح في الشرع" [2] , فلو لم تكن معبرة عن الإرادة والقصد لما اعتبرها السرخسي أصل صحيح في الشرع, وهي القاعدة (151) عند ابن رجب الحنبلي (دلالة الأحوال يختلف بها دلالة الأقوال في قبول دعوى ما يوافقها ورد ما يخالفها ويترتب عليها الأحكام بمجردها) [3] .
ومن الأمثلة الواردة في ذلك بكون دلالة الحال وسيلة لمعرفة القصد والإرادة:
1 -فيما لو دفع ثوبه إلى الخياط أو الصباغ, فعملاه ولم يكونا قد طلبا أجرا, فهم استحقاه, حيث دلالة حالهم واضحة تمام الوضوح لمقصودهما من هذا العمل أنه مقابل أجر أو عوض [4] .
2 -ومنه ماجاء في مجلة الأحكام العدلية في المادة (773) : ما نصه (ينعقد الإيداع بالإيجاب والقبول دلالة وتصريحا) ومثالها: إن سأل صاحب الخان أين أربط حيواني؟ فأشار له بمكان محدد, ينعقد إيداعا [5] .
3 -ومنها لو وجد لقيط وبجنبه مال, أو مدفون طريا, يحكم له به بدلالة الحال [6] .
4 -من قال: يا عفيف ابن العفيف حال تعظيمه، كان مدحًا، ولو قاله حال الشتم، كان ذمًا وقذفًا, ما كان هذا الحكم إلا بدلالة الحال [7] .
(1) أحمد بن علي الرازي الجصاص, الفصول في علم الأصول, ج 1: ص 50.
(2) محمد بن أحمد السرخسي, شرح السير الكبير للإمام محمد بن الحسين الشيباني, بدون نشر, ج 1: ص 469.
(3) ابن رجب الحنبلي, القواعد, ج 1: ص 370.
(4) عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد, المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني, دار الفكر بيروت, ط 1: 1405 ه, ج 8: ص 183.
(5) علي حيدر, درر الحكام, ج 2: ص 224.
(6) ابن رجب الحنبلي, القواعد, ج 1: ص 370.
(7) ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن مفلح المقدسي الحنبلي, المبدع في شرح المقنع, بيت المقدس, بيروت, ج 8: ص 278.