ومن المعقول:
أن الأصل في الألفاظ الظواهر, إذ تعبر عن مرادها ومعانيها, ويفهم المراد منها عند إطلاقها، فلا تترك ظواهرها؛ ولهذا لو استُعمل لفظ الطلاق وأُريد به الظهار أو عكسه, أُخذ باللفظ دون المنوي؛ ولأن اعتبار المعنى يؤدي إلى ترك اللفظ؛ ولأن ألفاظ اللغة لا يُعدل بها عما وضعت له في اللغة فيطلق اللفظ لغة على ما وضع له، فكذا ألفاظ العقود؛ اعتبار معناها عدول عن مقصود لفظها, ولأن العقود تَفسد باقترانها بشرط مُفسدٍ، ففسادها بتغيير مقتضاها أولى [1] .
ويرد عليه: أنَّ اللفظ معبر عن معناه وهذا ما نقول, وإنما قَصْدُ اللفظ المعنى, فإن لم تعبِّر ذات اللفظة عن مقصودها المراد الذي وضعت له؛ كان لابد من اعتبار القصد الذي دلت عليه القرائن المحيطة بها.
المناقشة
فكما سبق أن لكل من المذهبين أدلة وردودا من المذهب الآخر, فأدلة القول الثاني النصية تدور حول النية وأنها أمر قلبيّ لا يعلمه إلا الله ولم نؤمر بالبحث عنه, وهذا لا يختلف فيه اثنان في العبادات, لكن إذا صار كذلك في المعاملات وتركنا الأمور على ظواهرها حتى وإن بدى لنا خلافها, لأصبحت أمور الناس معقدة وفي ذلك الظلم الكبير, وأخذ بمخالف المراد, ونحن لا نقول بالنية بلا قرينة, فبغير القرينة (الأصل في الكلام الحقيقة) .
أما قولهم أن النبي لم يحكم بالتعريض, فغير صحيح لأنه لم يكن تعريضا أصلا بل مجرد استفتاء, وقد حد على التعريض عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-, لمن قال: أما أنا فلست بزانٍ [2] , وفي معقولهم أننا نهمل اللفظ ونعدل عن مقصود اللفظ إلى المعنى الذي يفسد العقد الذي غير مقتضاه, وهذا غير ما نقول, فنحن لا نترك اللفظ ونهمله بلا مغزى بل لقرينة أوضحت المراد الحقيقي للعاقدَين.
ولو أننا لم نكترث لمراد العاقدَين الأصلي, وأجرينا العقد على ظاهره لكان خلاف مقتضى العقد لا العكس, ولسنا ممن يدعوا للقصد المبني على أساس الوهم والظن المجرد, أو أشياء مغيّبة مجهولة,
(1) يحيى بن شرف النووي، المجموع شرح المهذب, دار الفكر, بيروت, ط 1: 1997 م, ج 9, ص 163, تاج الدين السبكي, الأشباه والنظائر, ج 1, ص 175, أبو بكر الحصني, القواعد, ص 419.
(2) ابن القيِّم الجوزية, إعلام الموقعين, ج 3, 128.