والصلح يعتبر بأقرب العقود إليه وإلا يبقى صلحًا محضًا, وذلك حسب إقرار المدعى عليه أو إنكاره, فإن أقرّ, وتم الصلح على مال يدفعه المدعى عليه يكون بيعًا ويؤخذ بالشفعة -إذا كان عقارًا- ويرد بالعيب, وإذا كان الصلح على مال بمنفعة كان إجارة, وإن كان الصلح عن دعوى النكاح كان خلعًا, ويأخذ أحكام الخلع [1] .
وإن أنكر المدعى عليه, وكان الصلح على مال يدفعه المدعي, يعتبر صلحًا محضًا لقطع المنازعة، ولا يأخذ أحكام البيع من رد بالعيب أو شفعة عقار, فإذا رجع المدعى عليه عن إنكاره بعد قبض بدل الصلح أيضا كان بيعًا في حقه وذلك عند الجمهور [2] .
وقد يقع الصلح على صورة يكون لأحدهما صلحًا محضًا وللآخر عقد كالبيع, ومثاله: حيث تصالحا -ولكن مازال المدعى عليه منكرًا- على أن يدفع المدعى عليه مالًا, ويأخذ المدعي العين المدعى بها, فهي بزعم المدعي صلح محض، وليست مبادلة حيث استرد ماله, وبالنسبة للمدعى عليه إذ هو منكر, بيع [3] .
ومنه: صالحني من دارك بألف, ولا خصومة, لفظًا: لم يصح الصلح, معنى: صح بيعًا [4] , حيث أن الصلح إنما يكون بوجود خصومة, وإذ لا خصومة ههنا, كان بيعًا لا محالة, أخذا بالقصد دون اللفظ.
ومنه: صالحتك من ألف على خمسمائة, فهو صلح ولا يبرأ عن الباقي بناءً على اللفظ, وقيل إبراء بلفظ الصلح [5] , وعند الحنفية إسقاط لنصفه والمراد عدم اشتراط القبول كالإبراء, وكونه صلحا يقتضي القبول حيث أن الإيجاب والقبول ركن الصلح [6] , فالصلح والإبراء بحاجة لقبول, أما الإسقاط فلا, ولهذا كان القول بالإسقاط عند الحنفية, لأن العبرة للمقصد.
المطلب الثاني: عقود التبرعات [7] ولها تحت هذه القاعدة أمثلة منها:
(1) ابن عابدين, حاشية ابن عابدين, ج 8, ص 225.
(2) الحموي, غمز البصائر, ج 3, ص 77, أحمد الزرقاء، شرح القواعد الفقهية, ص 63, ابن رجب الحنبلي, القواعد, ج 1, ص 223, القرافي المالكي, الفروق, ج 4, ص 6.
(3) انظر: أحمد الزرقاء، شرح القواعد الفقهية, ص 66.
(4) ابن الوكيل, الأشباه والنظائر, ج 2, ص 232.
(5) ابن الوكيل, الأشباه والنظائر, ج 2, ص 228.
(6) ابن نجيم, الأشباه والنظائر, ج 1, ص 208
(7) التبرعات: تقوم على أساس المنحة أو المعونة من أحد العاقدين للآخر, الزرقا, المدخل إلى الفقه, ج 1, ص 640.