وسلم-: (رفع القلم عن ثلاث: ... وعن الصبي حتى يبلغ) [1] .
والبلوغ: مظنة الإدراك وفهم أحكام الشريعة، لذلك نيط التكليف به، وقد احترز العلماء في قبول الرواية من الصغير خشية الكذب، لأنه لا يقدر أثر الكذب ولا عقوبته، ولأنه لا رادع عنه، فكان البلوغ مظنة العقل، ومدار التكليف الذي يزجر المكلف عن الكذب، وينهاه عن الوقوع فيه، ثم إن الشرع لم يجعل الصبي وليًا في أمر دنياه، ففي أمر الدين أولى، لما في قبول خبره من تنفيذ أو: ولاية على جميع المسلمين [2] .
وقد لوحظ في الراوي: الإسلام والبلوغ، عند الأداء، لا وقت التحمل، فإن بوسع الكافر والصبي أن يتحملا، ولكنهما لا يؤديان إلا بعد الإسلام والبلوغ كما هو مقرر في باب التحمل والأداء [3] .
هذا الشرط يتعلق بحالتين من حالات الراوي: حالة السماع والتحمل، ثم حالة الأداء والرواية. وقد ذكر الخطيب في (الكفاية) ما يفيد أن النزاع كان قديمًا بين المحدثين في سن التحمل حيث قال: (قل من كان يكتب الحديث-على ما بلغنا-في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم، وسؤالهم.
وقيل: إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.
وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح لمن سنه دون
(1) -وورد بألفاظ مختلفة كما في (المسند) ، (6/ 100/101) للإمام أحمد، و (سنن أبي داود) ، كتاب الحدود، باب: في المجنون يسرق، أو: يصيب حدًا (4/ 244/رقم:4398) ، و (السنن الكبرى) للنسائي في كتاب الرجم، (1/ 96) و (الصغرى) (6/ 156) ، ورواه ابن ماجه في (سننه) (رقم:2041) ، وابن خزيمة في (صحيحه) (2/ 102/رقم:1003) ، كتاب الصلاة، باب: ذكر الخبر الدال على أن أمر الصبيان بالصلاة قبل البلوغ على غير إيجاب. وأيضًا في (4/ 348/رقم:3048) ، كتاب المناسك، باب: ذكر إسقاط فرض الحج عن الصبي ... والطحاوي في (شرح معاني الآثار) (2/ 74) في باب: صوم يوم عاشوراء، وابن حبان في (صحيحه) . (الموارد) (ص:360/رقم:1497 - كتاب الحدود، باب: فيمن لا حد عليه) ، والدارقطني في (سننه) (3/ 138/139 - كتاب الحدود) ، والحاكم في (المستدرك) (2/ 59 - كتاب البيوع) وقال: (صحيح على شرط مسلم-وسكت عليه الذهبي) ، وغيرهم. وصححه الألباني في (الإرواء) (رقم:297) ، انظر: (الفتح الكبير) (2/ 135) .
(2) -انظر: (أصول الحديث) (ص:236/ 237) . لمحمد عجاج الخطيب.
(3) -انظر: (تدريب الراوي) (2/ 4) .