إن القواعد التي وضعها مؤلفو كتب المصطلح اجتهادية، منها ما هو مبني على استقراء تام، ومنها-وهو أغلبها-ما هو مبني على استقراء غير تام.
وكذلك الحكم على الرواة في الغالب، لم يُبْنَ على الاستقراء التام؛ فالأحكام الصادرةُ عن الأئمة النقاد تختلفُ باختلاف ثقافتهم، وقدراتهم العلمية والذهنية، والمؤثرات التي أحاطت بهم، وبحسب ما يتراءى لهم من حال الراوي تبعًا لمعرفتهم بأحاديثه ونقدهم مروياته، وتبيُّنهم فيه قوة العدالة أو: الضبط أو: الضعف فيهما، وقد رأينا منهم من ضعف محدثًا بسبب غلطٍ يسير وقع فيه لا وزن له بجانب العدد الكثير من الأحاديث الصحيحة التي رواها، ووجدنا منهم من يُوثِّق محدثًا على الرغم من كثرة أوهامه وأخطائه،
قال العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب (سبل السلام) في رسالته: (إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد) : (قد يختلف كلامُ إمامين من أئمة الحديث في الراوي الواحد، وفي الحديث الواحد، فيُضَعِّفُ هذا حديثًا، وهذا يصححه، ويَرمي هذا رجلًا من الرواة بالجرح، وآخر يُعَدِّله، وذلك مما يُشعر أن التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد التي اختلفت فيها الآراء) [1] .
قال الحافظ المنذري في جوابه عن أسئلة في الجرح والتعديل [2] : (واختلاف المحدثين في الجرح والتعديل كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شُهِد عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدر مؤثِّر أم لا؟ وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص، ونُقل إليه فيه جرح، اجتهد فيه: هل هو مؤثر أم لا؟ ويجري الكلام عنده فيما يكون جرحًا في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك كما يجري عند الفقيه) .
(1) -انظر: (إرشاد النقاد) (ص:13) . والنسخة التي عندي داخل السجن (ص:45) تحت عنوان: (مسألة الجرح والتعديل) تحقيق: مصطفى بن العدوي. قال فضيلة شيخنا العلامة محمد بوخبزة: (الحمد لله. قرأ هذه الرسالة النفيسة عائبًا على محققها إهماله التصحيح فشاع فيها التصحيف واللحن: محمد بوخبزة) .
(2) -انظر: (ص:83) .