أما مسألة العلل غير القادحة-مثل إبدال ثقة بثقة، كأن يختلف الرواة مثلًا على سفيان الثوري، أو: على الزهري فمرة يسمي أحدهم شيخًا، ومرة أخرى يسمي شيخًا آخر، والشيخان كلاهما ثقة، فهذه علة غير قادحة، وإنما سموها علة لمجرد وجود الاختلاف في الحديث والإسناد، وهي لا تقدح، لأننا نقول:"طالما أن تلامذة الزهري الذين رووا الحديث عنه سواء، أو: قريب من السواء من ناحية العدد أو: الوصف، فنستطيع أن نقول: إن للزهري فيه شيخين، ولا سيما أن الزهري رجل حافظ، وجامع للعلم، ورحَّال، فمن المحتمل أن يكون له في الحديث شيخان، أو: أكثر. هذه علة غير قادحة، وكأن يختلف الرواة في اسم رجل ونسبته، والرجل ثقة، هذه أيضًا علة غير قادحة، فمسألة العلة غير القادحة إن جئت إلى التعريف فليس لها تعريف بأكثر من هذا التعريف: إنها علة بمعنى الاختلاف في رواة السند، ولكنها لا تقدح في صحة الحديث."
أما إذا جئنا إلى التمثيل لها، فالذي ذكرته من جملة هذه الأمثلة، وتظهر للإنسان أكثر عند الممارسة، وعند البحث في الأحاديث.
المهم أنك لا تعرف هل هذه العلة قادحة أو: غير قادحة؟ إلا إذا جمعت طرق الحديث، فإذا جمعت طرق الحديث؛ بان لك هل هذه العلة تقدح في صحة الحديث أم لا؟ -وصدق علي بن المديني فيما نقله عنه ابن الصلاح في (مقدمته) : (الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه) [1] .
وقال الخطيب: (السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط) [2] -.
فإذا كان الإسناد يدور على ثقة فلا يضر، لأنه سواء أكان هذا شيخه أم ذاك شيخه فهو ثقة ... لكن شرطه أن يكون الذي اختلف عليه ثقة، أما إذا اختلف على رجل صاحب أوهام، وروى الحديث على عدة أوجه، فهذا لا يقبل منه،
(1) -كما في (أخلاق الراوي) (2/ 212) . و (تصحيح الحديث عند الإمام ابن الصلاح) (ص 38) .
(2) -انظر: (الجامع) (2/ 295) للخطيب. قال الإمام أحمد: (الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا) . كما في (الجامع لأخلاق الراوي) (2/ 212) . و (تصحيح الحديث عند الإمام ابن الصلاح) (ص 38) . انتهى من كتابي: (إعلام الخائض بجواز مس المصحف للجنب والحائض) (ص:48/ 49) وما بعدها.