وهذا دليل على وهمه واضطرابه في الحديث، فالرجل الثقة الحافظ إذا روى الحديث على عدة أوجه حمل هذا على أنه قد جمعه من مشايخ كثيرين، والرجل الذي فيه أوهام إذا روى الحديث من عدة أوجه دل هذا على أنه وهم في هذا الحديث، إنما تقبل الطرق المتعددة من الحفاظ، ولا تقبل من أصحاب الوهم، وسوء الحفظ) [1] .
فإذا توفرت هذه الشروط الخمسة في حديث، فهو صحيح بلا خلاف عند المحدثين. وما يقال في الحديث الصحيح يقال: في الحديث الحسن، إلا أن الفرق بينهما أن الصحيح تام الضبط، والحسن خفيف الضبط، أما من جهة العدالة فلا تفاوت.
وهذا هو تعريف المحدثين للحديث الصحيح-باختصار-لكن الفقهاء والأصوليين عرفوا الحديث الصحيح بقولهم: (هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط) .
ولم يعتبروا بعض العلل كما هو الحال عند المحدثين، فلذلك كثير من العلل التي يعتبرها المحدث قادحة لا تقدح عند الفقهاء والأصوليين، بل: القادح عندهم ما نافى العدالة والضبط، وبعضهم لم يشترط الاتصال كما في (المرسل) ، فبذلك نجدهم يختلفون في اكتمال شروط الصحة في الحديث الصحيح [2] .
ولكن العبرة في الحكم على صحة الخبر، ما اعتبره أهل الحديث من شروط للصحة، وما حكموا بصحته، لأن كل أهل فن هم أعلم بفنهم، وإليهم المرجع في ذلك لا يصار إلى غيرهم عند وجودهم.
وقد صرح بذلك غير واحد من أهل الحديث قال السمعانبي: (واعلم أن عندنا الخبر الصحيح ما حكم أهل الحديث بصحته ورب خبر اشتهر عند الفقهاء وأهل الحديث لا يحكمون بصحته، ورب خبر كان غريبًا عند الفقهاء وقد حكم أهل الصنعة بصحته) [3] .
(1) -انظر: (إتحاف النبيل بأجوبة أسئلة المصطلح والجرح والتعديل) (1/ 29/30) لمصطفى بن إسماعيل، و (إعلام الخائض بجواز مس المصحف للجنب والحائض) (ص:48/ 49) وما بعدها. انظر معنى العلة لغة واصطلاحًا، وطريق معرفة العلة ومتى تثبت؟، والعلة غير المؤثرة، والعلة المؤثرة غير القادحة، والعلة القادحة، أو: المؤثرة، ومعرفة أنواع وأجناس العلة .. في (تعليل العلل لذوي المقل) (ص:20/إلى:87) . للأستاذ: عبد السلام ابن محمد بن عمر علوش، و (ومعرفة علوم الحديث) (ص:360) للحاكم.
(2) -انظر: (محاسن الاصطلاح) (ص:83) .
(3) -انظر: (قواطع الأدلة) (ص:867/ 868) ، و (القواعد والمسائل الحديثية المختلف فيها بين المحدثين وبعض الأصوليين، وأثر ذلك في قبول الأحاديث أو: ردها) (ص:150) .