رَبِّنَا [الأعراف: 7] ، فظهر من هذا أن المتشابه قد دل على وجوب اعتقاد حقيقة المراد منه كدلالة المحكم على وجوب اعتقاد حقيقة المراد منه، ويقرب منه قولهم: إن العزم على فعل كل واجب إجمالا وتفصيلا عند تذكره هو من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوته، فعلم من هذا الجواب فساد قولِ مَن قال إن الخفاء في الدلالة مراد على الكلام لخلل في الانتقال إليه لما أخلّ ببلاغته في نحو قول عباس بن الأحنف (1) :
سأطلب بُعْد الدار عنكم لتقربوا ÷ وتسكب عيناي الدموعَ لتجمدا
لوجود تعقيدٍ فيه على ما بين في موضعه، فالأولى أن يخل عدم الدلالة على المراد بالبلاغة فيما نحن بصدده بالطريق الأولى؛ فإن عدم الدلالة على المراد أقوى في التعقيد من خفاء الدلالة على المراد، ثم لا شك أن التسليم والتوقف لعدم المرجح يُعدّ من الكمال لا من النقصان.
سئل ابن عمر عن شيء فقال: لا أدري. (ثم قال بعد ذلك: طوبى لابن عمر، سئل عن شيء لا يدري، فقال: لا أدري) (2) .
وسئل أبو حنيفة عن الدهر مُنكَّرا فيمن حلف لا يكلم زيدًا دهرا، فقال: لا أدري مقداره، فتوقف في الحكم أيضا لتوقفه في مقدار الدهر مُنكَّرًا.
وأما الفرقة الثانية - وهم المتأخرون - فقد قالوا: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، وأن الوقف على: {الْعِلْم} ، لا على ما قبله، فإنه لو لم يكن للراسخين حظٌّ في
(1) هو العباس بن الأحنف بن الأسود الشاعر المشهور، ديوانه مطبوع. انظر: أخباره في الأغاني (8/ 14) ؛ الواضح المبين لمغلطاي بتحقيقنا، ص 276.
(2) قال الناسخ للشاملة:"ما بين القوسين مأخوذ من تحقيق كتاب آخر".