أن يقوم بأعبائها (1) ، فاستبطأ نتائجها (2) ، أو استكبر أن تكون، لرأيته معرضًا عنها إعراض الجبان، عن منازلة الشجعان.
مع أنه لو ثابر على القيام بها، وواظب على مصادمة ما يَعْتَوِرُه (3) من العوامل في سبيل تحقيقها، وثبت أمام العقبات (4) التي دونها، فذلّلها بجدِّ جادٍّ، وعزم وقاد، ونفوذ نظرٍ حاد، لأتته منقادةً إليه (5) ، ونال من نتائجها ما يروم.
و لكن، هو اليأس، مهدم الآمال، ومقوّض (6) أركان الأعمال.
لو رغبتَ إلى كثير من الناس عندنا - ممن يستطيعون القيامَ بعظائم الأعمال، التي يعود نفعُها على الوطن وأبنائه - أن يقوموا بأمر من الأمور النافعة، لاعتذر عن ذلك بما لا يُقبل مِنْ حجة، وما لا يُؤْبَه له من اعتذار (7) .
ما عذر من حجته اليأس من نجاح المشروعات، وبرهانه صعوبة نجاح الأعمال؟!
ما ذلك، لَعَمْرُ الحق بحجة، وما على قولهم أُثَارة (8) من برهان صحيح.
ولكن هو اليأس، قاتل الله اليأس، وأَقَالَ اليائسين عثراتهم (9) ، وأناف بهم على يفاع الأمل (10) ، وأخذ بأيديهم إلى صالح العمل.
إن اليأس قد تمكن من القلوب إلا أقلها، واستحكمت (11) حلقاتُهُ في النفوس، غيرَ نفس قد تداركها الله بِبَصِيص (12) من نور الآمال، فأدركت
(1) الأعباء: الأحمال الثقيلة، ومفردها عبء.
(2) استبطأ الشيء: وجده بطيئا.
(3) يعتوره: يصيبه وينزل به مرة بعد أخرى.
(4) العقبات: جمع عقبة، وهي الصعوبة. وأصلها: الطريق الصعب في الجبال.
(5) منقادة: طائعة.
(6) مقوض: مهدم.
(7) لا يؤبه به: لا يعبأ ولا يلتفت إليه.
(8) أُثارة: قليل، وأصلها: البقية من العلم تؤثر.
(9) أقال عثرته: نهض به منها.
(10) أناف بهم: رفعهم. اليفاع: التلّ المشرف، أو ما ارتفع من الأرض.
(11) استحكمت: تمكنت.
(12) البصيص: اللمعان والريق.