التجدد هو الحياة، وهو سنَّةٌ (1) عامة في كل حيّ.
الأجسامُ الحيّةُ تتجدد في كل مدة معلومة. فَتَفْنَى ذَرَّاتهُا، التي لم تَبْقَ صالحةً للبقاء، وينشأ غيرُها مما هو قابلٌ للحياة. ولولا هذا التجددُ، لما أمكنها أن تحيا أكثر من عشر سنين. ثم تُكتب بعدها في سِفْر الفناء (2) .
إن الموت هو طارئٌ على الأجسام يمنع تجددَها. فهو قد يكون ضعيفا فيعمل على منع التجدد تدريجا، حتى إذا استُحكمت جراثيمُه (3) بلغت ما تريد. وقد يكون قويا، فيكون منه الموتُ الفجائي، الذي يقضي على نسمات (4) التجدد قضاءً سريعا.
وهذا هو الشأن في النبات أيضا، فإنه من الأجسام ذوات الحياة، فالبستان الذي يتعهّده محراثُ الحارث (5) ، وتعمل فيه يدُ الباحث، فتُقَلِّبُ أرضه، وتسقي أغراسه، وتشذِّبُ أغصانه (6) ، وتُنَقَّى تربتُه من الحشرات الضارة والنباتات الفاسدة، تسري فيه روحُ التجدد، فيُؤْتي أكلَه موفورا (7) ، ويفيض على أصحابه من الثمرات أشهاها، ومن الفاكهة أطيبها.
والبستانُ الذي يُهْمِله البستانيّ - فلا يَفْلَحُه، ولا يسقيه، ولا يتعهّده
(1) السنة: الطبيعة.
(2) السفر: الكتاب، والجمع أسفار.
(3) استحكمت: تمكنت - والجراثيم: الأصول، وتطلق اليوم على ما يسمى المكروب.
(4) النسمات: الأنفاس، جمع نسمة، وهي نفس الروح.
(5) يتعهده: يتفقده - والمحراث: السكة التي تحرث بها الأرض، أي: تشق بها - والحارث: الزارع، والجمع حراث.
(6) تشذب أغصانه: تصلحها بقطع شذبها، وهو ما تفرق من عيدانها مما لم يكن صالحا.
(7) موفورا: تاما.