لو قام الناس بما وجب عليهم، لكانوا - وهم في الأرض - في جنة الخُلْد.
على المرء أن يعرف بادئ ذي بدء، ما وجب عليه معرفة صحيحة، ثم عليه أن يقوم به حق القيام.
معرفة الواجب شيءٌ عظيمٌ، والقيامُ به أمرٌ أعظمُ.
إن كان هناك كثير من الناس لا يعرفُ الواجب، فإن أكثرَهم يعرفُه ولا يرعى له عهدًا (1) . وملامةُ يعرف الحقَّ فيحيدُ عنه، أشد من ملامة من يحيد عنه لأنه يجهله.
عجبتُ من بعض الناس كيف يريد من غيره أن يقوم بما وجب عليه نحوه، ثم هو يُهْمل أشدّ الإهمال ما وجب عليه نحوَ غيره! ...
منشأ إهمال الواجب أحدُ شيئين: الأَثَرَةِ (2) ، وضعفِ الإرادة.
فالأثرةُ تدفعه إلى احتكار غيره والاستبداد بالمرافق دونه (3) ، فَيَقْتُلُ بذلك الواجبَ عليه نحو الأفراد والجماعات من القيام بخدمتها، والسعي وراءَ منافعها، كما تخدُمُهُ وتسعى لمنفعته.
وضعفُ الإرادة يحول (4) بينه وبين أن يقوم بما وجب عليه. فإن خَطَرَ له أن يعمل، حالتْ تربيتُهُ الفاسدةُ دون القيام بالواجب.
القيامُ بالواجب من المنافع المشترك فيها، التي يعود نفعُها على القائم بها، كما يعود على غيره. لأنك إن عملتَ ما وجب عليك نحو امرئ من
(1) لا يرعى: لا يحفظ.
(2) الأثرة: الاستبداد بالمنفعة والانفراد بها.
(3) المرافق: المنافع.
(4) يحول: يعترض ويمنع.