الصفحة 17 من 137

اليأس(1)

ما استولى اليأس على أمة إلا أخملها ولا خامر (2) قلوب قوم إلا اضعفها.

و ناهيك (3) بضعف القلوب مخملًا، فإنه أشد ألمًا من مرض الأجسام، وشر أثرًا من وقع الحسام (4) .

أما الخمول - وهو أثر من آثار اليأس- فقد يجعل المرء كالحيوان الأعجم، لا يعرف من هذه الحياة إلا ما تهتدي إليه البهائم بالسوق الطبيعي: من التمتع بالمطاعم والمشارب والملذات.

قد قرن الله اليأس بالكفر به، في قوله: (لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) ، فانظر ما أعظم ذنب اليائسين.

و ليس هذا الذنب رائنًا (5) ، على قلب مرتكبه في الحياة الكبرى (6) فقط، بل هو يغشي (7) مجترمه (8) في هذه الحياة الصغرى أيضًا، إذ لو عرضت له أمور يجب

(1) اليأس: القنوط وقطع الأمل.

(2) خامر: خالط.

(3) ناهيك: كلمة تعجب واستعظام، كما يقال: حسبك، وتأويلها أنه غاية فيما تطلبه ينهاك عن طلب غيره. وهي تذكر وتؤنث وتثنى وتجمع، لأنها اسم فاعل. تقول: هذا رجل ناهيك من رجل، وهذه امرأة ناهيتك من امرأة، وهؤلاء رجال ناهوك من رجال، ونساء نواهيك من نساء، وهذان رجلان ناهياك، وهاتان امرأتان ناهيتاك، وإن وقعت بعد النكرة كانت صفة لها كالأمثلة السابقة. وإن وقعت بعد المعرفة كانت حالا منها، مثل: هذا عبد الله ناهيك من رجل. وإعرابها في نحو"ناهيك بعمر عادلا"أن ناهيك خبر مقدم، والكاف مضاف إليه، وعمر مبتدأ مؤخر دخلت عليه الباء الجارة الزائدة، وعادلا: حال.

(4) وقع الحسام: شدة ضربته. والحسام: السيف القاطع.

(5) الرَّوْح: الرحمة.

(6) رائنا: مغطيا.

(7) الحياة الكبرى: هي الحياة بعد الحياة الدنيا التي هي الحياة الصغرى.

(8) يغشي: يغطي. ومجترمه: مكتسبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت