الأمم في حال مَرَضِها الاجتماعي، تكون حاجتها إلى إصلاح ما فَسَدَ فيها من الأخلاق، وتقويم ما اعْوَجَّ من فروع الاجتماع، أكثرَ من حاجة المريض إلى الدواء.
يَمْرَضُ إنسانٌ، فَيَلْجَأُ أهلُه وذووه إلى طبيب يَثِقون به، فيصف له من الأدوية ما يراه مفيدا له.
وتمرضُ الأمة جمعاءُ، إلا من رحم ربُّك، فلا تلجأ إلى طبيب الاجتماع لِيُدَاوِيَ أمراضَها، ويُخَفِّف أوصابَها (1) ويُخَلِّصَها ما أصابها.
وذلك ناشئ من أحد أمرين: إما جهلِها بدائِها، فتظن - وهي على وشك الموت بما يفتك فيها من الداء - أنها سليمةٌ من الأمراض، نقيَّةٌ من الأوصاب، وإما أنها تدري كُلَّ الدراية ما فيها من الآلام، وما يَعْتَوِرها من الأدواء (2) ، غير أنها لا ثقة لها بما يحيط بها من الأطباء، أو أنها اعتراها (3) ما منعها التفكّر في طلب الطبيب.
وترسل الأمةُ كثيرا من أبنائها إلى مدارس الطب، لِيَطُبُّوا (4) بعد تعلمهم، أجسامها. ولا تبعث بأحد منهم، إلا القليل النادر، إلى مدارس الأخلاق والاجتماع، ليداووا، بعد تربيتهم، أخلاقَها، ويهذّبوا نظام اجتماعها. وما ذلك إلا من فساد النفوس، التي تقدم الماديات على الأدبيات.
الأمة في حاجة إلى القسمين من هؤلاء المتعلمين، ولكن حاجتها إلى أطباء
(1) الأوصاب: الأمراض، والمفرد: وصب، بفتح الواو والصاد.
(2) يعتورها: ينزل بها مرة بعد أخرى - والأدواء: جمع داء.
(3) اعتراها: أصابها.
(4) ليطبوا: ليداووا، طبّه - يطبّه: داواه، وهو من باب: شدّه - يشدّه.