إذا كانت الأمة، التي لا زعيم لها يُرْشدُها، تسير في مَهْمَهٍ من الفوضى متشابهِ الأعلام (1) ، مخوف المسالك، بعيدة أرجاؤه (2) ، كأنّ لونَ أرضه سماؤُه، فإن الأمة التي يكثُر عُشَّاق الزعامة فيها، وينمو عددُ محبِّي الرئاسة في مجموعها، أكثرُ منها فوضى، وأشدّ حَيْرةً، وأعظم ويلا.
حب الرئاسة داءُ هذا الشرق الوبيل (3) ، والتّهافُت على الزعامة مَرَضُه المزمنُ. وما من زعيم يقوم فيه، إلا خَفَقَتْ الغيرةُ في قلوب قومه، واحتدم الحسدُ (4) في نفوسهم، فتراهم يعملون على السعاية به (5) ، ويبذلون ما لديهم من قوة لإسقاطه، ويناصبونه العداوة (6) ويصارحونه بالأذى. فإن كان زعيما حقا، فهو لا يَأبَهُ لمناوأتهم (7) ، ولا يعبأ بمصادمتهم، بل يَثْبُتُ على ما يريده لقومه من الخير ثباتَ الرجال، لا يبالي الأهوال، ولا يكترث للصعوبات، ولا يَحْفَل بالمخلوقات، وإن تزعزع لأول صدمة، كان ضعيف الإرادة، بليد النفس. وأحرى بمن كان كذلك أن لا يكون رئيسا للقوم!
ما رأيتُ أحدا لم تُحَدِّثْه نفسُه بالزعامة! وأهل الزعامة قليل. فهل الزعامةُ متاعٌ يشرى؟! أو ثوبٌ متى لبسه الإنسانُ صار زعيما؟!
إن الزعيم هو روح الأمة. وهل ترضى أمةٌ أن يكون زعيمُها هَيَّ بْنَ بَيَّ (8) ، أو
(1) المَهْمَه: الفلاة المقفرة المهلكة - والأعلام: الجبال، والمفرد: علم.
(2) الأرجاء: الأطراف والنواحي، والمفرد: رجا.
(3) الوبيل: الشديد.
(4) احتدم: اشتعل.
(5) السعاية: الوشاية.
(6) يناصبونه العداوة: يظهرونها له. ويقال ناصبه أي قاومه وعاداه.
(7) لا يأبه: لا يلتفت ولا يبالي - والمناوأة: المعاداة والمعارضة.
(8) هَيَّ بْنَ بَيَّ، وهَيَّان بْنَ بَيَان كناية عمن لا يعرف ولا يعرف أبوه.