الصفحة 54 من 137

الترف(1)

ما وجد الترف سبيلا إلى نفوس أمة إلا أفسدها، وجعل عاليَ سعادتها سافلَها، وبدّد ما لديها من ثروة (2) ، وأسقط ما لها من رفعة، ودمّر ما عندها من عُمْران (3) .

المترفون (4) في كل أمة تفسُد أخلاقُهم، بما يكثُر لديهم من دواعي التنعّم، وما يحيط بهم من أسباب الفسوق عن سنن الله (5) .

الترف يسوق إلى السرف، والسرف داعية التلف. فالمترفون ضعفاءُ العقول، ضعفاءُ الجسوم، ضعفاءُ الإرادة، خاملو الأذهان، لا يعرفون للحياة معنى سوى ما تسوقهم إليه الشهوات الحيوانية، وتدفعهم إليه اللذات البهيمية. فلا يسعون لما يفيد الأمة، ولا يفكرون فيما يَعْمُر البلاد. فالمعروف عندهم منكورٌ، والمنكور مشهور، والخير مقبور، والشر منشور، فإن دعوتهم لتخفيف مصابِ الأشقياء (6) وتجفيف دمعة الفقراء، وبذل المال لتعليم الجهلاء، غَصَّت حُلُوْقُهُم، وشرقوا بريقهم، وأمالوا أعناقهم، ولَوَّوا رؤوسَهم (7) . وإن طُلِبوا لبذل الأموال في سافل الأفعال، استبقُوا مُلَبِّين، وأقدموا مسرعين، وأجابوا الداعين، كأنهم السهمُ المرسلُ، أو القضاءُ المنزل.

ما من فاسد ينتشر في الأمة، إلا كان هؤلاء المترفون منشأَه. وما من بِلِيَّة

(1) الترف: التوسع في التنعم. يقال: أترفته النعمة، أي: أطغته وأبطرته.

(2) بدد: أذهب وفرق.

(3) دمر: قوض وهدم.

(4) المترفون: المتنعمون.

(5) الفسوق: الخروج والعدول عن الأمر، والعمل المنكر.

(6) الأشقياء: جمع شقي، وهو البائس المحتاج.

(7) لَوَّوا رؤوسهم: أمالوها وأداروها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت