شأن الأمم شأن الأفراد: فالفرد المعتمِد على غيره - لِيَكفِيَه ما يحتاج إليه - هو فردٌ ساقط سافلٌ ضعيف، فكذلك الأمة التي لا تنى بشؤون نفسها (1) ، ولا تسعى في سبيل الجدّ لتنال قَصَبَ السبق هي أمة منحطّة سافلة، ليست من الحريّة في شيء، بل هي مقيّدة بسلاسل العبودية.
الحكومة تريد من الأمة أن تكون قيدَ أوامرها، لا تحيد عن خطتها التي ترسمها لها، قدرَ شبرٍ. فإن لجأت الأمةُ إلى الحكومة، وطلبتْ معونتها في كل أمر من أمورها، فلا بد أن تقيّد نفسها بقيودها، وتجريَ في حياتها الاجتماعية والعلمية حسب رغائبها. ولا ريب أن الحكومة إنما تكوّن رجالا يصلحون لخدمتها، لا رجالا يصلحون لأن يقوموا بما تحتاج إليه الأمة. وإن نبغ في مدارسها أو مصالحها رجالٌ شعبيّون (2) - وذلك قليل نادر - فَهُم ممن تعلموا الحياة الاجتماعية الوطنية من بيئتهم (3) ، لا من أساتذتهم، ولا من الكتب التي وُضِعَت لتعليمهم.
فإذا أردنا أن نكون أمةً صالحة راقية، فعلينا أن نسعى لترقية الأمة من طريق الأمة، لا من طريق الحكومة، بما نبذله من الهمة في تلك السبيل، كما هي الحال في الأمم المتمدنة اليوم، فإن هذه الأمم تؤسس المدارس، وتنشئ المعامل والمصانع (4) من غير أن تطلب من حكوماتها أن تمدّ إليها يد المعونة، ولو فعلت ذلك لظلّت متأخرة كما ظللنا.
أية أمةٍ اعتمدت في إنجاح مقاصدها على الحكومة، فهي عالة
(1) لا تعنى: لا تعتني.
(2) شعبيون: يعملون لحياة الشعب.
(3) من بيئتهم: من محيطهم الذي فيه يعيشون.
(4) المصانع: جمع مصنع، وهو دار الصناعة.