لولا الرجاء لما سعى ساعٍ نحو أمنية (1) ، ولا دعا داعٍ إلى وطنية، ولكانت الحياة أضيق من جحر الضَّبِّ (2) ، وأثقل على العاتق من القيود والأغلال (3) .
ما رأيت أحدا يعمل إلا وهو يعتقد أن لعمله أثرا تحمد مَغَبَّتَه (4) ، وترجى فائدته، ولا فرق بين أن تكون الفائدة خاصة بالعامل، أو عامة شاملة، يعود خيرها على مجموع الأمة التي ينتفع بخيراتها، ويحيا في بيئتها (5) .
غير أن قوما لا يعملون إلا إذا اعتقدوا جِدّ الاعتقاد أن عملهم مثمرٌ لا محالة، فإن لمحوا شبهةً في نجاح العمل، ولو كانت أوهى من بيت العنكبوت، أحْجَمُوا (6) عن الإقدام، وادّرعوا (7) بالأوهام، وليس ذلك من دأب الحازمين (8) ، ولا من خلق العاملين.
وما الداعي إلى أحجامهم إلا ضعفُ الرجاء في نفوسهم. وهو مرضٌ من أمراض النفس، يجب أن يداوى بإماتة اليأس، فإنه داءُ الاجتماع، وجرثومة العُمران الموبوءةُ (9) . فَقْد الرجاء داءٌ سارٍ في جسم مجتمعنا، لذلك ترى العاملين قليلين، والسعداءَ في حياتهم نادرين، وقد شملتهم الحسراتُ، وحاطتهم من
(1) الرجاء: الأمل. الأمنية: ما يتمناه الإنسان، وجمعها: أماني.
(2) جحر الضب: مأواه. والضبّ: حيوان بري كفرخ التمساح الصغير.
(3) العاتق: موضع حمالة السيف من الكتف. الأغلال: القيود، والمفرد: غلّ.
(4) المغبة: العاقبة.
(5) البيئة: المنزل والموطن.
(6) أحجموا: تأخروا
(7) أدرع الدرع وادرع بها: لبسها.
(8) الدأب: العادة. الحازم: من يضبط أموره ويأخذ منها بالثقة.
(9) الجرثومة: النسمة التي يسمونها المكروب. والموبوءة: التي فيها الوباء والداء.