الصفحة 64 من 137

ما عجبت لأحد قط عجبي ممن يدّعي الوطنية، ويزعم أنه يفدي الوطن بدمه وماله، ثم تراه شديدا في تخريب صياصيه (1) ، بما يأتيه من ضروب النكاية فيه (2) .

ليس كل من ينادي بالوطنية وطنيا، حتى تراه عاملا للوطن بما يحييه باذلًا ما عزّ وهان في سبيل تَرَقِّيْه، يسعى مع الساعين في إعلاء شأنه،، وينصب (3) مع الناصبين في حفظ كيانه.

أمّا من يسعى فيما يفتُّ في عضُده، ويكسر في ساعده (4) ، فقد بعُد ما بينه وبين الوطنية، ولو رَفَعَ عقيرته (5) ، وملأ الأقطار صراخًا، ونادى في الأمة: أنْ أني من الوطنيين المخلِصين.

الوطنية الحق هي حبّ إصلاح الوطن، والسعي في خدمته. والوطني كل الوطني من يموت ليحيا وطنه، ويمرض لتصحّ أمته.

ألا إن للوطن على أبنائه حقوقا، فكلما لا يكون الابن ابنًا حقيقيًا حتى يقوم بواجب الأبُوة، فكذلك ابن الوطن، لا يكون ابنًا بارًا حتى ينهض بأعباء خدمته (6) ، ويدفع عن حِماه المؤذين، ويذود عن حِياضه المدلِّسين (7) .

(1) الصياصي: الحصون، وكل ما امتنع به، والمفرد: صيصة وصيصية.

(2) النكاية: القهر، يقال: نكاه ونكى فيه: أي قهره وظلمه.

(3) ينصب: يتعب.

(4) العضد: هو من المرفق إلى الكتف. وفَتَّ العضد وكسر الساعد: كناية عن إضعاف القوة وتفريق الأعوان.

(5) العقيرة: الصوت.

(6) الأعباء: الأحمال الثقيلة، والمفرد: عبء.

(7) يذوذ: يدفع ويمنع - والتدليس: أن يظهر المرء على خلاف ما هو عليه، وأصل معناه: كتم عيب السلعة عن المشتري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت