بحثت في طبائع البشر، فلم أجد خُلُقا من الأخلاق الدنيئة، أدنى إلى الصَّغَار (1) ، وأقرب إلى الموت في الحياة من الجبن.
ذلك الخُلُق، ما تأصّل في نفوس قوم إلا ضَرب عليهم الذلةَ والمسكنةَ (2) ، فباءوا بالوضاعة (3) والخمول، ثم بالانحلال فالموت.
يُداهِم (4) الأمةَ العدوُّ، فتَجْبُنُ عن صَدِّ غاراته وتفرَقُ من مُنَازَلته (5) بما تَرَبَّتْ عليه نفوسُ أفرادها من الجبن، فيجوس خلال الديار (6) ، ويكتسح (7) البلاد، ويستعبد الجماعاتِ والأفراد، فلا يُرى له مِنْ صادٍّ، ولا لأفاعيله (8) من رادٍّ.
ويقوم فيها رهطٌ (9) أُولُو فساد، فلا يجدون لهم أحدا بالمرصاد (10) فيُهلكون الحرثَ والنسل (11) ، ويجعلون الأمة كالحيوانات العُجْم، ولولا داءُ الجبن لَرَدَّتْهُم على أعقابهم خاسرين وضربتهم ضربةً لا تقوم لهم بعدها قائمة.
(1) أدنى: أقرب. والصغار: الذل والضيم.
(2) تأصل: تمكنت أصوله وثبتت. والمسكنة: الضعف والذل والفقر.
(3) باءوا: رجعوا. والوضاعة: الخسة والانحطاط.
(4) يداهم: يأتي على حين غفلة.
(5) تفرق: تخاف وتهاب.
(6) يجوس خلال الديار: يدور فيها بالعيث والفساد.
(7) يكتسح البلاد: يستولي عليها ويأخذها.
(8) الأفاعيل: جمع أفعال. ومفرد الأفعال فعل، وأكثر ما تطلق الأفاعيل على الأفعال المنكرة.
(9) الرهط: ما دون العشرة من الرجال. ورهط الرجل: قومه وعشيرته.
(10) المرصاد: الطريق، والمكان يرصد فيه العدو.
(11) الحرث: الزروع. والنسل: الخلق والولد والذرية.