دخل أعرابي على هشام بن عبد الملك، فقال:"يا أمير المؤمنين، أتت علينا ثلاثة أعوام. فعام أذاب الشّحم، وعام أكل اللّحم، وعام انتقى العظم (2) ، وعندكم فضول أموال (3) ، فإن تكن لله فبثّوها في عباد الله (4) ، وإن تكن للناس فَلِمَ تُحجبُ عنهم (5) ؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها، إن الله يحب المتصدِّقين". قال هشام:"هل من حاجة غير هذه يا أعرابي؟"قال:"ما ضربت إليك أكباد الإبل (6) ، أدَّرعُ الهجيرَ (7) ، وأخوض الدُّجا (8) ، لِخاص دون عام".
فأمر له هشام بأموال فُرِّقتْ في الناس، وأمر للأعرابي بمال فرَّقه في قومه.
إن لهذا الأعرابي، أيها الناشئ، نفسًا كبيرة، ووجدانا صحيحًا، وغيرة على قومه عظيمة، وذلك ما دعاه ألاَّ تكون له ألأَثَرَة (9) بالخير دون سواه، لأنّه عَلِم عِلْم اليقين أنَّ حياة الفرد حياة السعادة، وقومه في الشقاء لهي حياة الذل وعيشة البؤس (10) .
كيف يرضى العاقل أن يكون في بُحْبُوحَة من الخير (11) ومن يحيط به من الناس في ضنك العيش (12) ؟
(1) المصلحة المرسلة: هي التي يقصد بها النفع العام.
(2) انتقى العظم: أخرج نِقِيّه أي مُخَّه، وهو ما في داخل العظم من الدسم.
(3) فضول الأموال: ما زاد منها عن الحاحة، والمفرد: فضل.
(4) بَثُّوها: فرّقوها.
(5) تحجب: تمنع.
(6) ضربتُ إليك أكباد الإبل: رحلت إليك من مكان بعيد.
(7) أَدّرع الهجير: ألبسه كالدرع. الهجير: شدة الحر.
(8) الدجا: الليل. وادراع الهجير وخوض الدجا مجاز عن السير فيهما.
(9) الأثرة: الاستئثار والاستبداد.
(10) البؤس: الشقاء والشدة.
(11) البحبوحة: السعة، ووسط الشيء.
(12) ضنك العيش: ضيقه.