الصفحة 38 من 137

الهجعة واليقظة(1)

للأمم، كما للأفراد، هجعاتٌ ويقظاتٌ:

فتارة تتغلّب عليها الأولى فَتُخْمِلُها، وطورا تَهِيْجُها (2) الأخرى فَتُنَبِّهُها. وقد كان هذان العاملان، ولم يزالا، في تنازع وخِصام، ولم يكن ولا يكون، بينهما سكينةٌ وسلام، ذلك لأنهما ضِدّان، والضِدَّان لا يجتمعان.

وإن لهذه الغلبة أسبابا وعِللا، ربما اختلفت في الظاهر، ولمنها متفقةٌ من حيثُ الحقيقةُ، إذ إنها تُنْتِج نتيجة واحدة، هي تنبيهُ الأمة أو إخمالها، ويختلفُ التَّنَبُّهُ أو الخمولُ، قوةً وضعفا باختلاف أسبابها المؤثرة في نفوس الأمم، التي انتشرت فيها تلك العللُ أو الأسباب.

أما الأسبابُ التي تجعل الأمة خاملةً مُتَقَهْقِرَةً (3) ساقطة فهي كثيرة:

منها: جمودُ كثير من علماء الأديان، ووقوفُهُم سدًّا منيعا أمام تيّار الأمة المندفعة إلى التقدّم، لتكون من كُبْريات الأمم الحيّة، ومنهم من يتخذون الدين وسيلةً لمآربهم وشَرَكًا (4) يصطادون به عقول العامة، ليُرْجِعُوهم عن نُصرة المُصلحين، ومتابعةِ علماء الكون والاجتماع، فيُكَفِّرون ويُفَسّقون، ويُحَلّلون ويُحَرّمون، وربما دماء الأبرار يُبِيحون (5) ، وما ذلك إلا نتيجةٌ من نتائج جهلهم أو غرورهم أو ضَعف أخلاقهم، لو

(1) الهجعة: الغفلة، وأصلها من الهجوع، وهو النوم ليلا - واليقظة: التنبيه، وهي بفتح الياء وسكون القاف، أما في الجمع ففتحتان.

(2) تهيجها: تحركها.

(3) متقهقرة: متأخرة راجعة إلى الخلف.

(4) الشرك: المصيدة.

(5) الأبرار: الأخيار المحسنون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت