ومنها استبدادُ الرؤَساء وأرباب النفوذ، وظلمُ الحكام واضطهادهم (1) من يريد أن ينهض بالأمة من دَرَكات (2) السفالة، وهُو الجهل (3) ، وأخاديد الخمول (4) إلى مستوى (5) الفضيلة والعلم والتّنَبُّه.
وهناك أسباب أُخَر لا يَسَعُ المقامُ ذكرَها. وهي مع ما تقدّم من الأسباب، تُخْمِل الأمةَ، وتَسُوقُها إلى مجازرِ (6) الهوان والتأخّر.
فتلك هي حالة الأمة في هَجَعَاتها، وهذه هي الأسبابُ التي تجعلها قيدَ سلطانها (7) .
وأما حالتها في يَقَظَاتها، فهي على غير ما تقدم، لأنها تكون إذ ذاك، أمةً رفيعةَ الشأن، ساميةَ المقام، عزيزةَ الجانب، منيعةَ الحمى (8) ، جَهْوَرِيَّةَ الصّوت (9) ، ممتدةَ السلطة، ولا تكونُ على هذه الحالة إلا إذا تقدّمتها أسبابٌ تُوصلها إلى الغالية التي ذكرناها.
وإن هذه الأسبابَ كثيرةٌ أيضا:
منها: نُبُوْغُ (10) أفراد في الأمة، يُؤْلِمُهُم بقاءُ أُمّتهم في الجهل والخمول والسقوط فَيُبَثُّون (11) في الأمة روحَ الهمّة والنَّفْرة مِمَّا يضُرُّ بها ويوقدون فيها نار العزيمة والاستعداد لمعالي الأمور، حتى إذا تَهَيَّأ لهم ما يريدون، حَمَلُوا الحكومة ورجالَ الاستبداد بالأمر - من العظماء والرؤساء وأرباب النفوذ - على
(1) الاضطهاد: القهر والإيذاء.
(2) الدركات: جمع دركة، وهي المنزلة السافلة، وهي في الأصل للنازل كالدرجة للصاعد.
(3) الهوى: جمع هوة، وهي الحفرة العميقة، وما بين الجبلين.
(4) الأخاديد: جمع أخدود، وهي الحفرة المستطيلة في الأرض.
(5) المستوى: المستقر.
(6) المجازر: جمع مجزر، وهو مكان الجزر، أي الذبح.
(7) القيد: حبل ونحوه، يجعل في رِجْل الدابة يمسكها، وفلان قيد فلان: أي هو في قبضته - والسلطان: السلطة والتسلط.
(8) الحمى: ما يحميه الإنسان من شيء.
(9) جهورية الصوت: مرتفعته، نسبة إلى الجهورة، والجهورة: العالي الصوت كالجهوري.
(10) النبوغ: الخروج والظهور في عظمة وشأن - والنابغة: العظيم الشأن.
(11) يبثون: ينشرون، والبث: الشر.