الصفحة 84 من 137

من نشد الفضيلة (1) ، فليطلبها في الاعتدال:

فالاعتدال في الفكر، والمذهب والمأكل، والمشرب، والملبس، والبذل (2) ، وكل أمر حسّي أو معنوي، هو الفضيلة.

ومن لزم قصد السبيل (3) ، كانت عاقبة أمره السلامة، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.

الاعتدال هو التوسّط في كل شيء.

الشجاعة فضيلة، لأنها وسط بين نقيصتي التهور والجبن. والجود فضيلة، لأنه قصد بين رذيلتين: الإسراف والبخل.

وهكذا تجد كل فضيلة من الفضائل في الاعتدال، أي: التوسط بين رذيلتين.

الذّكاء، إن زاد أدّى إلى الخلل في الأعمال، وحمل على أمور لا تليق بالعاقل، وإن نقص كان بنقصه البَلَهُ والغباوة.

والتّقوى، إن جاوزت حدّها كان منها الوسوسةُ، التي تؤدي في أكثر الأوقات إلى ترك العبادة والعكوف (4) على أعمال الفسّاق العاصين.

لذلك نهت الشرائع السماوية عن الغلو في الدين، وأمرت بإتباع القصد فيه، وقد ورد في الحديث: (إنّ المنبتّ(5) لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى)

(1) نشد الفضيلة: طلبها وبحث عنها ليهتدي إليها.

(2) البذل: العطاء.

(3) القصد: استقامة الطريق، والتوسط في الأمور - قصد السبيل: الطريق المستقيم الموصل إلى الحق والفضيلة.

(4) العكوف على الشيء: الإقبال عليه ولزومه والمواظبة عليه.

(5) المنبت: المنقطع، والمراد به: المنقطع عن رفاقه في السفر، الذي يحمل دابته على ما لا تطيقه من السير، رغبة في الإسراع، ليصل إلى غايته، فينقطع ظهرها تعبا، فلا تقدر على مواصلة السير، فينقطع هو في الطريق، فيكون حينئذ ما قطع الأرض التي يسير فيها ليبلغ ما يقصد إليه، ولا أبقى ظهر دابته سالما. فكذلك من يجهد نفسه ويتعبها في العبادة وينقطع فيها، فلا يلبث أن يملّها ويبغضها، فلا هو بلغ المقصود من إرضاء الله، ولا أبقى نفسه في الراحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت