والعلم متى اتّسعت دائرته في الإنسان، كانت عاقبته الجهل، وربّما وصل من جاوز الحد في علمه إلى جهل كثيرٍ من حاجات نفسه.
والقاعدة الشاملة أنّ كل شيء جاوز حدّه انقلب إلى ضدّه. وهي قاعدة تعمُّ الحيوان، والنبات، والجماد، والمعقولات، والحسِّيات، والاجتماع والعمران.
فالعاقل من ألزم نفسه التوسط في الأمور والاعتدال في أحواله المعاشية، والاجتماعية والدينية. فإنّ الاعتدال هو السلامة، وما ضرّ الأمة إلا ترك الاعتدال.
فاعتصم (1) أيها الناشئ بالاعتدال ولا تدع لِشَيْطَانَيِ طرَفَيِ الأمر سبيلًا إليك، فخير الأمور أوسطها، لأنّ فيه الفضيلةَ التي هي نُجعة الرائدين (2) .
(1) اعتصم: تمسك.
(2) نجعة الرائدين: طلبة الطالبين، والنجعة في الأصل: الكلأ والمرعى - والرائد: الرسول يرسله القوم ليرى لهم مكانا صالحا لنزولهم ومرعى مواشيهم.