كبار النفوس لا يَحسُدون، لأن الحسد من صغر النفس، وضعف الإرادة، ولؤم الطبع. والعظيم الأَبِيُّ مَنْ بَعُدَتْ المساوف (1) بينه وبين هذه الاخلاق الوضيعة.
من الكلمات السائرة:"الحسود لا يسود". وهي كلمة - لو تعلمون - عظيمة، تتضمن معاني كبيرة. وهي، إن صغر لفظها، فقد كبر معناها، وشرف فحواها.
الحسود يكون ضَيِّق الخلق، منقبض الصدر، مضطرب الفكر. إن رأى ذا نعمة، أو شاهد أحدًا نال من الناس مقامًا رفيعًا هو أهل له وَدَّ لو تحول تلك النعمة إليه، ويكون ذلك المقام طوع يديه، وإن نال الشقاء من أصحابها مناله.
التمني - كما يقولون - رأس مال المفلس. وأنى لمن خلا من الإرادة، وعزة النفس، وكرم الطبع، أن ينال المقام المحمود، أو يصل إلى نعمة المحسود! فهو بذلك التمني السافل لا يستطيع أن يحوّل إليه نعمةً أنعمها الله على عبده، ولا أن يغتصب مقامًا لغيره، فَيُوَسَّد إليه (2) . بل يبقى - كما كان - قليل النعمة، سافل المقام، دنيءَ النفس، وضيعَ القدر. وهل يمكن من كان كذلك أن يقبض على ناصية السؤدد (3) ، أو يجول في ميدان الشرف؟ لا ورب الكعبة. فإنه بتلك الأخلاق لا يسود ولو عكف على حسده أبد الدهر.
أما الكبيرُ النفسِ، فهو إن بَصُرَ في غيره بأمر يثنى عليه، أو رآه في منزلة يغبط عليها (4) ، فلا يجول في وهمه أن يَحْسُدَه على نعمته، أو يَحُطَّ من منزلته. بل
(1) الأَبِيّ: الممتنع مما يعيبه - والمساوف: جمع مسافة.
(2) يوسد إليه: يستند إليه.
(3) الناصية: مقدم الرأس. ويراد بالقبض على ناصية الأمر التمكن منه - والسؤدد: الشرف.
(4) الغبطة: أن تتمنى أن يكون لك من المجد والغنى ونحوهما مثل ما لغيرك، مع بقاء نعمته عليه. أما الحسد فهو تمني زوال النعمة من المحسود لتكون للحاسد.