ما اختلفَ الناسُ في تفسير أمرٍ اختلافَهم في تفسير السعادة. ذلك، لأنها من الأشياء النسبيّة، والأمور الإضافية. فهي ليست من الخير المجمع عليه، وإنما هي خيرٌ بالإضافة إلى شخص رآها كذلك.
قد يَستَحسنُ زيدٌ أمرا، فَيَعُدُّه سعادةً، ويحسب الواصل إليه سعيدًا. ويرى عمرو الأمرَ نفسَه، فَيَعُدُّه شقاءً، ويظنّ العاكف عليه شقيًّا.
فالسعادةُ - كالجمال - قد تباينت فيها الفهومُ (1) ، واختلفت في تفسيرها الميولُ. ومرجع الأمر إلى الذوق، وتضاربُ المنازع، إنما هو من تباين الأذواق.
فِمَن الناس من يرى السعادة في التبسّط (2) في المأكل والمشرب، أو اللهو، أو الملبس، أو تمضيةِ الوقت في المنازِهِ (3) والملاهي. ومنهم من يراها في كسب المال وحبسه في الصناديق. ومنهم من يَعُدُّها في المطالعة والمدارسة، والغَوْصِ على درر العلوم، والبحث عن مكنونات الآداب. ومنهم من يحسب أنها في التخلي عن هذا العالَم الفاني، والزهد فيما تحويه هذه البسيطة من متاعها. ومنهم من يراها في التسلّط والأَثَرَة (4) . ومنهم من يراها في غير ذلك من المنازع والمشارب.
والسعيد من نَظَر بعين العقل واخْتَطَّ لنفسه خُطَّة وسطا يسلكها. فالاعتدالُ في الأمر داعيةُ السعادة فيه.
التوسّط في المأكل والمشرب سببٌ لحفظ الصحة من الأمراض والأخلاط الفاسدة.
والاعتدال في التَّنَزُّه واللهو داعيةُ سرور النفس ونشاط الجسم. وفي تركهما
(1) تباينت: اختلفت.
(2) التبسط: التوسع.
(3) المنازه: جمع متنزّه، وهو المكان الذي تروح فيه النفوس كالجنان ونحوها، وهو جمع بحذف الزوائد، وقول الناس منتزه - بتقديم النون على التاء - خطأ.
(4) الأثرة: الاستئثار، وهو الاستبداد بالمنفعة.