الصفحة 91 من 137

انقباضُها. وفي الزيادة منهما تعويدُها الكسلَ والخمولَ والميلَ إلى المفاسد.

والاقتصادُ في كسب المال وبذله يَهدي إلى وجوه الخير في مكسبه، وترك الشَّرَه (1) في جمعه من حِلِّه وغير حِلِّه، ويرشده إلى طرق الإنفاق القويمة، فلا يكون بخيلا ولا مسرفا، بل يعيش عيشةَ السعادة والرفاهة (2) .

والقصدُ (3) في العكوف على الدرس والمطالعة يدعو إلى ترويح النفس، ويطرد عنها المللَ والسآمة.

والأخذ بخظي الدنيا والدين، والتمسك بما يرَبِّي الجسمَ ويُنَعِّمه، ويُهَذِّبُ العقل ويُقَوِّمه، سببٌ لنيل السعادتين في الحياتين.

وحملُ النفس على الترفّع عن الصغار (4) ، والتَّنَزّه عن الكبرياء، هو الإباءُ المحمود (5) . وهو شرفٌ للنفس عظيمٌ، لأنه يربأ بالنفس أن تستكينَ للضَّيْم (6) ، ويعصمُها (7) أن تعمد لاحتقار الناس، أو تميلَ إلى تذليلهم، أو تجنحَ للاستئثار بالمرافق والمنافع (8) .

وفيما تقدم من مجموع هذه التوسطات - وغيرُها مقيسٌ عليها - سعادةٌ للمتخلق بها، تجعل حياته في هناءة، وعيشَه في رغد (9) .

فمن أراد أن يكون سعيدا - في نفسه وأهله، وماله، وولده، وكلِّ عمل من أعماله - فعليه أن يتطلب السعادةَ في قصد السبيل. وليجعل دليلَه إلى ذلك الدينَ والعقلَ والوجدانَ، فَهُنَّ خير دليل.

إن طريق السعادة، أيها الناشئ الكريم، أمامَك. فاطلبها في العلم والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة. وكن في كل أمرك وسطا تكن سعيدا.

(1) الشره: اشتداد الحرص وغلبته.

(2) الرفاه والرفاهية: لين العيش وسعته ورغده.

(3) القصد: التزام التوسط.

(4) الصغار: الذل والضيم.

(5) الإباء: خلق يمنع الإنسان مما يعيبه.

(6) يربأ بالنفس: يرفعها ويمنعها - وتستكين: تذل وتخضع - والضيم: القهر والظلم والذل.

(7) يعصمها: يمنعها.

(8) تجنح: تميل - والمرافق: المنافع والمصالح، والمفرد مرفق - بوزن منبر ومجلس ومقعد - وهو ما ارتفعت به، أي انتفعت.

(9) الرغد - بفتح الغين أو تسكينها: السعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت