لا شيء أضرّ بالإنسان من إهماله شؤونَ نفسه، معتمدا على من يقوم له بها. هذا إن تحقق أن مَن يعتمد عليه يُلَبِّيه - إن دعاه - من غير تَرَيُّث (1) ولا بطءٍ. أما إن كان نصرُه إياه أمرا مشكوكا فيه، فاعتماده عليه ضربٌ من الجنون.
جاء في أمثال العرب: «عَمُّكَ خُرْجُكَ» (2) . يقال ذلك للمتكل على غيره. وذلك أن رجلا أراد السفر مع عمّه، فقال لأهله: اتخذوا لي طعاما، واجعلوه في خُرْجٍ، أصيب منه إذا احتجتُ إليه، فقالوا له:"عمّك خُرْجُك، أي اتّكلْ عليه في مطعمك."
المعتمِد على غيره يكون ضعيفَ الإرادة، بليدَ الحزم، خاملَ النفس. وما سرى هذا الداءُ في أمةٍ إلا انحلّ عِقْدُ اجتماعها، وفسد نظام عُمرانها، حتى تصبح في مؤخّرة الأمم، فالاتكال على غير النفس مَدْعاةُ الانقراض، لأنه يُلبس الإنسانَ رداء الضّعة (3) ، ويَصْرِفُهُ عن النظر فيما يقوده إلى حصون القوة والمنعة (4) .
ينشأ الطفل معتمدا - في كل شأن من شؤون نفسه - على أبويه إلى أن يبلغ أشدّه (5) ، ثم يدخل غِمار الحياة (6) ، وهو لا يعرف للاتكاء على عصا نفسه معنى، لأنه لم يتعوّد ذلك في نشأته الأولى - ولكل امرئ مِن دهره ما تَعَوَّد -
(1) التريث: التمهل.
(2) الخرج: معروف، وجمعه أخراج، ويجمع أيضا على خِرَجة - بكسر الخاء وفتح الراء -.
(3) الضّعة: الانحطاط والخسّة.
(4) المَنعة - بفتح الميم والنون، وقد تسكن النون: العزّ والقوة، والمعقل يمتنع به، والعشيرة، لأنها تمنعه فلا يقدر عليه من يريده من الأعداء.
(5) يبلغ أشدّه: يشبّ ويتقوى.
(6) غمار الحياة: شدائدها.