إذا أفلت من يده، ندم على ذلك ندامةَ الكُسْعِي (1) ، وهيهات (2) أن تُفِيدَه الندامة.
ألا إن من كان كذلك، فهو ممن عُلِّمُوا قليلا وليس لهم معقول (3) . لأن العقل يربأ بالمرء (4) أن يَرِد مواردَ الإهمال والاتكال، فالعاقل من لا يرد حتى يعرف الصَّدَر (5) . فهو يفاضل بين الضررين ليَرْتَكِب أخفهما. فإن في الشر خيارا، وليس العاقل من يعرف الخير والشرّ، وإنما هو من يعرف خير الشَّرَّيْن، فإن بعض الشر أهون من بعض.
فإليك أيها الناشئ، يُسَاق الحديث:
احذر أن تباشر عملا قبل الاستعداد له، ولا تترك عملا من أعمالك اتكالا على ما سيجيء به القدر، فالعقل من عَقَلَ وَتَوَكَّل.
(1) الكُسْعِي: رجل يضرب به المثل في الندامة.
(2) هيهات: اسم فعل ماض بمعنى بَعُد، وهي مثلثة التاء.
(3) المعقول: العقل.
(4) يربأ بالمرء: يرفعه وينهض به ويمنعه.
(5) الصَّدَر: الرجوع عن الماء بعد وروده.