بعد أن يعلم علمَ اليقين - أو ما يَقْرُب منه - أنه لا يَفْشَل عنه (1) . وليس معنى هذا أن يُحْجِمَ لِأَوَّل صدمة، أو تُؤّخِّرَه شبهةٌ تَعْرِض له، فيتخذها حجةً لِلْإِحجام (2) . فإن هذا هو الجبن بعينه.
يُقْدِم كثيرٌ من الناس على الأعمال العظيمة، فلا يلبثُ أن يَعْتَوِر (3) إِقْدامَه الإخفاقُ. ولذلك أسباب، منها: إهمالُه الأُهْبَةَ (4) ، وعدمُ اتخاذِ العدّة. وقد ورد في أمثال العرب: «عِنْدَ النِّطَاحِ يُغْلَبُ الْكَبْشَ اَلْأَجَمُّ» (5) ، وهو مثل يضرب للرجل يمارس الأمورَ بغير عدة فيخيب.
وكثير منهم يُهْمِل الأمرَ اِتِّكالًا على أن القدر يَحْفَظه. وكان يجب عليه أن يحفظه، ثم يَكِلَه إلى عين العناية ترعاه (6) . وقد قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم: أُرْسِلُ نَاقَتِيْ وَأَتَوَكَّلُ؟ فَقَالَ لَهُ: «اِعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (7) .
ومن أمثالهم: «أَنْ تَرِدَ الْمَاءَ بِمَاءٍ أَكْيَسُ» (8) ، يَعْنُون بذلك أن يأخذ الرجل الأمر بالحزم والوَثَقَةِ. ومن ذلك قولهم: «اِشْتَرْ لِنَفْسِكَ وَلِلسُّوْقِ» ، يريدون بذلك أن يأخذ المرءُ الحَيْطَةَ لنفسه (9) ، قبل الإقدام على العمل، وأن يستشير مَن يِثِقُ بهم لِيُرْشِدُوه إلى ما فيه الخير.
ومن الناس من إذا تمكّن من ناصية الأمر (10) ، عقده بأنشوطة (11) . حتى
(1) فَشِل عن الأمر: جبن، فنكل عنه ولم يُمْضِه، والمعنى: أنه لم يتوفق، لأن من جبن عن أمر فتركه، فقد خاب فيه ولم يوفق له. وأصل معنى الفشل: الجبن والضعف وذهاب القوة.
(2) الإحجام: التأخر.
(3) يعتور: يصيب. اعتَوَرَه الأمر: نزل به مرة بعد مرة.
(4) الأهبة: العدّة، جمعها أُهُب.
(5) الأجم: الذي لا قرن له.
(6) يَكِلُه: يسلمه - وترعاه: تحفظه وتتعهده.
(7) اعقلها: اربطها. والعقل: الربط. ومنه سمي العقل المعروف، لأنه يربط الإنسان أن يأتي ما يضره.
(8) أكيس: أعقل. والكَيْس - بفتح الكاف وسكون الياء: العقل والفطنة، وحسن التأني في الأمور.
(9) الحَيْطة: الاحتياط.
(10) الناصية: مقدم الرأس، ويراد بالتمكن من ناصية الأمر الاستيلاء عليه.
(11) الأنشوطة: عقدة يسهل حلّها.