إن هؤلاء الأطفال سيكونون في المستقبل رجالا. فإذا تَعَوَّدوا الأخلاقَ الصالحةَ التي تُعْلِي شأنَهم، وحصَّلوا من العلوم ما ينفعون به وطَنَهم، كانوا أساسا مكينا (1) لنهضة الأمة: وهذا أمرٌ لا يختلف فيه اثنان. وإن استعادوا سافِلَ الأخلاق (2) ، وهجروا العلمَ - الذي هو سببٌ لحياة الأمم - كانوا وَيْلًا على الأمة، وشرًّا على البلاد التي يقطنوها (3) .
وقد ذكرتُ لك، أيها الناشئ فيما مضى من العظات جزءًا صالحا من الأخلاق حسنِها وقبيحِها، وأوضحتُ لك ما يجب عليك التخلّقُ به، وكشفتُ عن الأخلاق الفاسدة، التي ينبغي لك أن تَنْفِر منها نِفْرَة الصحيح من الأجرب، فاختر بعد ذلك ما تراه لك نافعا، وما إِخالُك (4) مختارا إلا ما أرشدتُك إلى اختياره، لأنك تعلم جدَّ العلم أني لك ناصح أمين.
التربية، أيها القوم، أمرٌ عظيمُ الخطر (5) ، كبير القيمة، والطفل - كما قال الإمام الغزالي - أمانةٌ عند والديْه. وقلبُه الطاهر جوهرةٌ نفيسةٌ خاليةٌ من كل نقشٍ وصورة، فإن عُوِّد الخيرَ وَعُلِّمَه، نشأ عليه، وسَعِد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكلُّ مُعَلِّم وَمؤدِّب، وإن عُوِّد الشرَّ وأُهْمِل، شَقي وهلك، وكان الوزْرُ (6) في رقبة وليّه والقَيِّم عليه (7) .
(1) مكينا: قويًّا.
(2) استمادوا: تعوّدوا.
(3) يقطنونها: يسكنونها.
(4) إِخَالُك: أظنك.
(5) الخطر: الشرف وارتفاع القدر.
(6) الوزر: الذنب.
(7) ولي الطفل والقَيِّم عليه: من يتعهّده ويقوم بشؤونه.