إن للأمم آجالًا (1) ، وأجل كلّ أمّة يوم تفقِد حريتها.
الحرية هبة من الخالق للمخلوق، يُصَرِّفها فيما يعود على نفسه وعلى غيره بالسعادة والخير.
وتدلّ في اللغة على معنى الخلوص، فالحر: خلاف العبد لخلوصه من الّرق. وحرُّ كل شيء: خياره. والحرّ من الطين والرمل: هو الطيب منهما. ورملة حرة، أي صالحة للإنبات، وحرُّ كل أرض: أطيبُها.
فأنت ترى أن هذه المادة تدلّ على الطهارة والجُودة (2) ، وخلوص الشيء، مما يكدّر صفاءه وجودته.
و الحر - بالمعنى المدني الصحيح - من كان خالص التربية، نقي النفس، متمسكًا بالفضائل، نافرًا من الرذائل، كاسرا عنه قيود العبودية، عاملًا بما يطلبه منه الواجب.
إنّ الإنسان لم يخلق ليكون عبدَ غيره، ولا ليكون كرة (3) تتقاذفها الأهواء (4) وتعمل على تحريكها أيدي الزعماء (5) ، وتُصَرِّفها حسب رغائبها (6) نفوسُ الكبراء، بل خلق ليعمل منفردًا ومجتمعا بمقتضى السّنة الإلهية العامة وهي الحرية.
ولم تسلب هذه النعمة الربانية الكبرى - من كثير من الناس - إلا بسبب ما
(1) الآجال: جمع أجل، وهو مدة الشيء ووقته الذي يحل فيه وينتهي إليه.
(2) الجودة - بضم الجيم: الصلاح.
(3) الكرة: كل جسم مستدير، والمراد بها ها هنا: الكرة المعروفة التي يلعب بها.
(4) الأهواء: الأغراض المختلفة، وهي جمع هوى النفس.
(5) الزعماء: الرؤساء، والمفرد: زعيم.
(6) الرغائب: المشتهيات، وهي جمع رغبة، وهي الأمر المرغوب فيه.