الصفحة 68 من 137

أفسده الظالمون من نفوسهم، فلم يدعوا إلى تنوير أذهانهم بالعلم سبيلا، لأن الظالمين يعلمون يقينا أن العلم الصحيح يهدي إلى معرفة الحقوق، فهو الشرارة التي توقد في النفوس الهمم، وتربأ بالعاقل (1) ، أن يكون آلة تديرها المحركات الاستبدادية.

وقد قال عمر بن الخطاب لعمر بن العاص، يوم ضرب ولده القبطي:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".

ألا إن الحر لا يكون حرا، إلا إذا تهذبت نفسه، وتمت فيها ملكة الإرادة، وحظي من العلم الصحيح بحظ غير قليل، ثم أقدم على تحرير نفسه من رِبَق (2) من يملكها بالقوة والجبروت، فمن لم يكن كذلك، فقد شَسْعَتْ بينه وبين الحرية المساوف (3) ، وكان بينهما مفاوز جمة المخاوف (4) .

ليس بالحر من اتخذ الحرية عنوانا للرذائل، وطريقا للمفاسد، وسيفا يجتاب به أردية العفة (5) ، ورُمحا يطعن به الفضيلة، وسهما يمزق أعراض الناس.

وليس من الحرية أن يفعل الإنسان ما يضر به وبغيره: من إسراف في الأموال، وإضاعة للإنسانية، وإباحة للمنكرات، وسعي في إفساد الهيئة الاجتماعية، بما يأتيه من ضروب الإيذاء والنميمة والغيبة (6) . والعدوان وغير ذلك من نقائص الأخلاق.

إنّ كثيرا من الناس يدعي الحرية، وقد لبس لبوس (7) العبودية، فهو أسير لشهواته، عبد لزعمائه وأمرائه، مملوك لنفسه الأمّارة ـ تدفعه إلى

(1) تربأ بالعاقل: ترفعه. يقال: ربأ به عن كذا: رفعه عنه فلم يرضه له.

(2) الربق: جمع ربقة، وهي العروة من حبل فيه عدة عرى تشد به البهائم.

(3) شَسْعَتْ: بعدت - المساوف: جمع مسافة.

(4) المفاوز: الأماكن المهلكة، والمفرد: مفازة - وجمة: كثيرة.

(5) يجتاب: يقطع - والأردية: جمع رداء، وهو الثوب.

(6) الضروب: الأنواع - والنميمة: نقل أحاديث الناس لإيقاع المفاسد. والغيبة: أن تذكر الناس بما يكرهون.

(7) اللبوس: ما يلبس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت