قضت السنّة الإلهية (2) أن يكون في كل نوع من المخلوقات رئيسٌ ومرؤوسٌ، وسائسٌ (3) ومسُوسٌ (4) ، كيلا تتفرّق الآراء، وتتشعّب الأهواءُ (5) ، فيكون من ذلك تشَتَّتُ الشمل، وتَوَهُّن (6) الحبل، وافتراق الجماعة، وشقُّ عصا الألفة.
وكل قوم لا رئيس لهم يرجعون إليه في المشكلات، ويصمدون إليه في المُعْضِلَات (7) ، يُضْحُون وقد ركبوا متون الشوامس (8) ويبيتون في ليل من الحيرة دامس (9) .
إذا كانت الروحُ قِوامَ الجسم، فالرؤساءُ في كل أمة هم روحُ اجتماعها. فإن فسدوا فسدتْ، وإن صَلَحوا صلحتْ، لأن الأمة لا تقوم لها قائمة إلا إذا قام فيها زُعَماء يَنْهَضون بها إن عَثَرَت، ويُقَوِّمُونها إن اعوَجَّت، ويأخذون بيدها إن سقطت، ويرشدونها إن ضَلَّت.
ولا يكون الريئس رئيسا حقا، حتى تتوَفَّر فيه شروطُ الرئاسة من العقل والعلم، وصحّةِ الوجدان، والمروءة، والشهامة، وطهارة السريرة، حسنِ
(1) الزعامة - بفتح الزاي: الرئاسة والشرف.
(2) السنة الإلهية: النظام الإلهي أو الشريعة الإلهية التي اختطّها الله لعباده.
(3) السائس: مدبّر أمور الدولة والرعية.
(4) المسوس: الرعية التي يدبر أمورها السائس.
(5) تتشعب: تتفرق.
(6) التوهّن: الضعف. وتوهن الحبل: كناية عن ضعف القوة.
(7) يصمدون: يلجؤون ويقصدون - والمعضلات: الأمور المشكلة.
(8) المتون: الظهور، والمفرد متن - والشوامس: الدواب التي لا تمكن الراكب من ظهرها لسوء خلقها، والمفرد: شامس وشامسة، والشَموس - بفتح الشين - كالشامس.
(9) دامس: شديد الظلمة.